لستُ شيعيّاً وأحبُّ السيّد مرقد السيّد: ملاذُ القلوب في لبنان إحسان عطايا: السيّد في وجدان فلسطين سيّد شهداء الأمّة: طالبُ علم من النجف حتّى الشهادة الشيخ جابر: شهيدنا الأســمى كـان سيّد القوم وخادمهم السيّد الحيدريّ: ارتباطي بالسيّد نصر الله ولائيّ وفقهيّ مع الإمام الخامنئي | أوّل دروس النبيّ : بنــاء الأمّــة* نور روح الله | تمسّكـوا بالوحدة الإسلاميّة* أخلاقنا | سوء الظنّ باللّه جحود* فقه الولي | من أحكام مهنة الطبّ

سرديّة معركة "أولــي البــأس": تساؤلاتٌ وإجابات

د. فاطمة خشاب درويش


"لماذا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ هل هذا عقاب إلهيّ؟ هل ثمّة تقصير منّا؟
أين الله ممّا جرى؟ هل ما حصل نصر أم هزيمة؟ ما دور السنن الإلهيّة في ما حصل؟ إلى جانب ما عاشه الناس خلال معركة أولي البأس من مشهديّة الصبر والتضحية والإيثار، فقد أُطلقت تساؤلات كثيرة عميقة يجب الوقوف عندها.
إنّ "أسئلة الناس وُلدت أثناء الحرب وهي لم تكن بسيطة، بل عميقة ومتشعّبة"

* السرديّة... تجيب
في أعقاب الحرب الإسرائيليّة على لبنان في أيلول/ سبتمبر 2024م، أطلقت وحدة الدراسات والمتون في حزب الله السرديّة الثقافيّة الإيمانيّة لمعركة أولي البأس، بوصفها استجابة معرفيّة وثقافيّة ضروريّة للحرب الأخيرة التي أفرزت حدثاً اجتماعيّاً كبيراً لا يمكن التعامل معه كواقعة عابرة، بل كنقطة تحوّل مفصليّة في تاريخ الأمّة.

تعدّ السرديّة بمثابة مشروع تفسيريّ ومعرفيّ متكامل، يهدف إلى حماية الوعي الجمعيّ المقاوم من التفكّك، ويضبط التأويلات الدينيّة والثقافيّة ضمن أطر شرعيّة، ويوفّر مرجعيّة فكريّة موحّدة لما جرى في ذلك التاريخ. والسرديّة ليست منتجاً نهائيّاً، بل مسارٌ تراكميٌّ متجدّدٌ يواكب تحوّلات الميدان والمجتمع والوعي.

يتحدّث كلٌّ من مسؤول وحدة الدراسات والمتون السيّد عليّ الموسويّ، ومدير مركز المعارف للدراسات الثقافيّة الشيخ حسن الهادي، لمجلّة بقيّة الله عن كلّ مراحل إعداد هذه السرديّة وأبرز ما جاء فيها.

* السرديّة الثقافيّة: مشروع لتفسير الحرب وآثارها
يشير السيّد عليّ الموسويّ إلى مسار صياغة "السرديّة الثقافيّة" خلال الحرب الإسرائيليّة على لبنان في أيلول/ سبتمبر 2024م، قائلاً إنّ "الحرب لم تكن مجرّد مواجهة عسكريّة، بل محطّة تاريخيّة تستوجب التفسير والتمحيص على مستوى الأمّة، كما تحتاج إلى تحليل شامل لأسبابها ومجرياتها ونتائجها، وطرح الأسئلة حول ما جرى فيها وما قد يحدث لاحقاً".

ويضيف الشيخ حسن الهادي: "إنّ ما جرى في حرب الإسناد، ثمّ في معركة أولي البأس، ترك أثراً بالغاً في المستويات الاجتماعيّة والثقافيّة والإيمانيّة داخل بيئة المقاومة"، ويلفت السيّد الموسويّ في هذا السياق إلى أنّ "أسئلة الناس وُلدت أثناء الحرب وهي لم تكن بسيطة، بل عميقة ومتشعّبة، تراوحت بين أسئلة إيمانيّة وفلسفيّة وثقافيّة". فكيف تمّ التعاطي مع هذا الواقع؟

لم تنتظر الوحدة الثقافيّة انتهاء الحرب للإجابة عن أسئلة الناس، فهي ومنذ اليوم السادس للحرب، بدأت بتجميعها، وأجابت عنها من خلال إصدار ستّين خطاباً ثقافيّاً خلال الحرب، وفق السيّد الموسويّ.

* تجميع الأسئلة وتحليلها
"مع انتهاء الحرب، تضاعفت الأسئلة، وبدأت بعض الإجابات غير المنضبطة أو الخاطئة تنتشر، ما دفع إلى ضرورة استباق السرديّات الأخرى التي قد تُنتج من قبل الخصوم أو من مصادر غير دقيقة، إذ خُصّص جزء منها للإجابة المباشرة عن هذه الأسئلة، بحيث جرى حصر خمسةٍ وثلاثينَ سؤالاً محوريّاً تمّ العمل على مقاربتها بدقّة"، يقول السيّد الموسويّ.

ويضيف: "عقد مركز الدراسات سلسلة من اللقاءات مع النخب الفكريّة والأكاديميّة، حتّى قبل أن تكتمل فكرة السرديّة الثقافيّة بصيغتها النهائيّة، فدعَونا أكثر من ثلاثين شخصيّة متخصّصة في مجالات متعدّدة، شملت التربية، والسياسة، والاجتماع، والإدارة، فضلاً عن بعض الأشخاص الذين خاضوا غمار الحرب ميدانيّاً".

ويتابع: "كان هدفنا من هذه اللقاءات استنطاق هذه الشخصيّات حول قراءتها للحرب وما جرى فيها، وقد طلبنا من كلّ واحدة منها أن تعبّر بصراحة كاملة عن رؤيتها الشخصيّة. وقد أظهرت الجلسة الأولى تنوّعاً واسعاً في الآراء وتبايناً في التقديرات، وصلت أحياناً إلى حدّ التناقض. يتابع السيّد الموسويّ: "هذا التنوّع في الرؤى لم يُضعف المشروع، بل أضاف إليه زخماً وأكّد الحاجة الملحّة إلى صياغة سرديّة موحّدة واضحة تشرح ما جرى، وتقدّم قراءة متماسكة للأحداث من زاوية إيمانيّة وثقافيّة عميقة".

* مراحل إعداد السرديّة
يشير الشيخ الهادي إلى أنّ "وحدة الدراسات والمتون" المعنيّة بالعمل الثقافيّ دخلت في عمق هذه التساؤلات التي تحوّل بعضها إلى شبهات وإشكاليّات. ومن خلال جولات ولقاءات ميدانيّة، تمكّن الفريق من جمع معظم هذه الأسئلة"، ويتابع: "عملنا على تصنيف التساؤلات وفق مصادرها الفكريّة والإيمانيّة والاجتماعيّة، وثمّ تصنيفها وفق ثلاث مجموعات رئيسة: أسئلة ذات منشأ ثقافيّ، وأسئلة ذات بُعد إيمانيّ وعقديّ، وأسئلة ناجمة عن ضعف الوعي وغياب المعلومات الدقيقة. بعد التصنيف، بدأت جلسات حواريّة مع مختصّين في التربية والثقافة والاجتماع لتحليل هذه الأسئلة بوصفها مؤشّرات على تحدّيات بنيويّة داخل المجتمع". أظهرت هذه الجلسات، بحسب الشيخ الهادي، "وجود مجموعة من التحدّيات، خاصّة في الجانب الإيمانيّ، بحيث سادت أسئلة من نوع: إذا كنّا مؤمنين، فلماذا لم يكن الله معنا بشكل مباشر؟". وأضاف أنّ المعالجة اقتضت وضع هذه التحدّيات على طاولة البحث، والبدء بتحليل كلّ واحدة منها، واقتراح حلول واقعيّة لها.

* السرديّة الثقافيّة: الإطار والمضامين
تركّزت السرديّة على الجانب الإيمانيّ والعقديّ والثقافيّ الذي يرتبط بالحزب ارتباطاً عقائديّاً؛ تثبيتاً للوعي، وهي تقدّم بلغة سرديّة لا تجيب بشكل مباشر عن الأسئلة، بل تروي الوقائع وتضيء على السياقات، واستندت في مقاربتها تلك التساؤلات إلى: نظام السنن الإلهيّة وسيرة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام، كذلك الأحكام الشرعيّة والفقهيّة، وأخيراً، خطابات الإمام الخامنئيّ دام ظله والسيّد الشهيد حسن نصر الله (رضوان الله عليه).

* توجيهات الأمين العام
رُفعت السرديّة بصيغتها الأوّليّة إلى قيادة الحزب التي بدورها دقّقت في بعض العبارات والمضامين، وأضاف الأمين العام سماحة الشيخ نعيم قاسم بخطّ يده ملاحظات خاصّة، وشملت هذه التعديلات التأكيد على العلاقة بالقيادة، وتوضيح التكليف الشرعيّ، وربط الخطاب الإيمانيّ بالوجدان الجماهيريّ.

ويلفت الشيخ الهادي إلى أنّ سماحة الأمين العام، قرأ السرديّة بشفافيّة، وقدّم ملاحظات مهمّة، وربط بين ما حدث في الحرب، ولا سيّما استشهاد شهيدنا الأسمى السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه)، ومسيرة التمهيد لظهور الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، مؤكّداً أنّ "كلّ معركة تخوضها المقاومة، من الإسناد إلى أولي البأس، يجب أن تُفهم ضمن هذا السياق العقديّ".

* أمثلة من محتوى السرديّة
نقدّم في ما يأتي بعضاً من النماذج التي وردت في السرديّة:

• وعد السيّد نصر الله بتحرير القدس: يشير السيّد الموسويّ إلى أنّ هذا الوعد جرى توضيحه في السرديّة من خلال استحضار نموذج صلح الحديبية، حين وعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين بدخول مكّة، ولم يتحقّق الوعد في السنة نفسها، بل في العام الذي تلاه. وقد فُسّر ذلك قرآنيّاً بعبارة: ﴿فأثابهم فتحًا قريبًا﴾ (الفتح: 18).

• الشهادة والنصر: تقدّم السرديّة الشهادة على أنّها جزء من النصر الذي يرتبط بالتكليف الشرعيّ، لا بالنتيجة الظاهرة فقط. فمن يؤدّي وظيفته الشرعيّة في الدفاع عن المظلومين، يُعدّ منتصراً، حتّى لو خسر جولة.

• مفهوما النصر والهزيمة: بيّنت أنّ النصر لا يُقاس بجولة واحدة، بل بالخاتمة الكبرى التي وعد الله بها عباده الصالحين، وأنّ الهزائم المرحليّة لا تُناقِض وعد الله بالنصر النهائيّ، النصر لا يُقاس بالنتائج العسكريّة فقط. النصر يبدأ من الالتزام بالتكليف الشرعيّ وأداء الوظيفة.

• القتال في حرب الإسناد: أوضحت السرديّة أنّ مشاركة حزب الله في الحرب كانت بدافع دينيّ شرعيّ، استناداً إلى فتاوى فقهاء الشيعة التي ترى في إسناد غزّة جهاداً دفاعيّاً، فالقضيّة بحسب السيّد الموسويّ "ليست حرب إسناد، بل قضيّة عقديّة، لأنّ فلسطين دولة للمسلمين، والعدوّ الإسرائيليّ كيان غاصب محتلّ يجب مواجهته والدفاع عن أرض المسلمين".

* حول مفاهيم النصر والابتلاء
يلفت الشيخ الهادي إلى أنّ السرديّة تناولت مفاهيم النصر والهزيمة بشكل معمّق، قائلاً: "نحن لا ننكر أنّ ثمّة خسائر، نحن نؤمن أنّ ما حدث هو بلاء وليس عقاباً، لأنّ العقاب في القرآن له أسباب محدّدة، مثل التخلّي عن المعركة أو الفرار من الزحف، وهو ما لم يحصل في بيئتنا. على العكس، فقد قدّم شبابنا أنفسهم شهداء بكلّ شجاعة".

* تعميم السرديّة
منذ إطلاق السرديّة، يتولّى السيّد الموسويّ والشيخ الهادي مع نخبة من العلماء والمبلغين تقديمها في مؤسّسات وقطاعات تربويّة وثقافيّة عدّة، وبعض القطاعات الجهاديّة، وقد لاحظوا أثراً إيجابيّاً كبيراً في الحضور. كما برزت الحاجة إلى صياغة نسخة من السرديّة تخاطب جمهوراً أوسع، خصوصاً الحلفاء الذين يجمعهم مع الحزب بُعد ثقافيّ ومقاوم، ولو من خارج الإطار العقديّ الشيعيّ.

يختم السيّد الموسويّ قائلاً: "إنّ السرديّة الثقافيّة ليست خطوة نهائيّة، بل عمليّة مستمرّة، هي مشروع مفتوح يتطوّر مع تطوّر الأسئلة والمواقف والتحوّلات. ما زلنا في قلب الأحداث في سوريا، وفلسطين، والجمهوريّة الإسلاميّة في إيران، وكلّ جولة تفتح أسئلة جديدة، تحتاج إلى تفسير وسرديّة جديدة. ما بدأناه ليس نهاية، بل بداية مسار طويل في بناء وعي جماهيريّ مؤمن ومتماسك"، ويشير إلى أنّ "قوّة السرديّة تكمن في أصالتها وانسجامها مع المصادر الإيمانيّة العقديّة والثقافيّة، ما يجعلها أداة فعّالة لتحصين وعي الجمهور ورفع مستوى فهمه".

سرديّة "معركة أولي البأس" عملٌ فكريّ يحاكي أسئلة الناس واستفساراتهم، ويقارب مفاهيم التوّكل والثقّة بوعد الله حيث يأتي بطرق مختلفة، ويمكن الحصول على الكتاب في دور جمعية المعارف الإسلاميّة الثقافيّة.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع