الأسرة بين هاتفٍ ذكيٍّ وتواصلٍ موهوم لمَ تقاطع أخاك؟ العاطفة سرّ التواصل الأسريّ حتّى لا يتنازع الإخوة في الميراث الأسرة تُصلح أفرادها - في فكر الإمام الخامنئيّ دام ظله أذكار | أذكار لطلب الرزق مع الإمام الخامنئي | سيّدة قمّ المقدّسة نور روح الله | الجهاد مذهب التشيّع‏* كيـف تولّى المهديّ عجل الله تعالى فرجه الإمامة صغيراً؟* أخلاقنا | الصلاة: ميعاد الذاكرين*

شخصية العدد | الشهيد الصدر قدس سره نابغة منذ الصغر

الدكتور السيد علي محمد جواد فضل الله*


«إنّ الشهيد الصدر قدس سره في الوقت الذي جعل جسده وفكره دفاعاً عن الإسلام، رأيناه يهاجم أفكار الأعداء، ولم يكتفِ الإمام بأسلوب الدفاع، وإنّما غزا المفكّرين، وكلّ الطروحات الغربيّة عن الإسلام، غزاها في عقر ديارها»(1).
مهما قيل بحقّ الشهيد السيّد الصدر فلن تستطيع الكلمات أن توفيه حقّ أفعاله وإنجازاته. نتعرّف في هذا المقال إلى سيرة هذا الرجل العظيم العلميّة وبعض مزاياه.

* أسرته 
هو سليل الدوحة النبويّة الشريفة، فآل الصدر ينتسبون إلى الإمام السابع من أئمّة أهل البيت عليهم السلام، الإمام موسى بن جعفر الكاظم L. وممّا يميّز هذا النسب أنّ السيّد الصدر قدس سره يتّصل بجدّه الإمام الكاظم عليه السلام إمّا بمجتهد أو بعالم فاضل، فرجال هذه الأسرة بين علماء أفاضل، ومراجع كبار(2). ومن اللافت الذي يميّز رجالات هذه الأسرة وخاصة الآباء الأقربين للشهيد الصدر قدس سره هو هذا النبوغ المبكر والعبقريّة الفذّة التي جعلتهم يبلغون درجة الاجتهاد في العلوم الشرعيّة قبل سنّ البلوغ أو عند تخومه(3). والعالمون بالاجتهاد الفقهيّ الأصوليّ يدركون أنّ هذه المنزلة لا ينالها عادة إلّا من أمضى ردحاً طويلاً من التحصيل والدرس والتمحيص والتدريس والتأليف. أضف إلى علوّ المقام العلميّ والفكريّ، والسموّ الأخلاقيّ، سيرة عمليّة سلوكيّة تتجسّد فيها مكارم الأخلاق ومحاسنها، وتكلّلها تقوى في الدين، وزهد في الدنيا ونكران للذات، وتُرابيّة نفس مشفوعة بمراقبة عرفانيّة ربّانيّة(4). وهذا كلّه ممّا ترك أثره الكبير على صفات السيّد الصدر قدس سره وسجاياه، فنجده مرآةً صافيةً انعكست فيها تلك الصفات الأخلاقيّة الربّانيّة وهذه السجايا الحميدة.

* نبوغٌ باكر 
ولد السيد الصدر في مدينة الكاظميّة في ضواحي بغداد يوم 25 من ذي القعدة عام 1353هـ الموافق لعام 1934م. وشاءت الأقدار أن يعيش اليُتم في سنّ مبكرة، فتكفّلته والدته وأخوه الأكبر السيّد إسماعيل الصدر، وترافق الحرمان العاطفيّ مع فقر وضنك المعيشة، ما زاد هذا الطفل صقلاً في نفسه وصلابة في إرادته تجلّت في مختلف مراحل حياته(5).

في حداثته، وقبل التفرّغ للدراسة في الحوزة العلميّة، تلقّى الصدر جانباً من الدراسات الحديثة في إحدى المدارس الابتدائيّة في الكاظميّة، حيث كان نبوغه لافتاً للجميع من معلّمين وطلاب(6).

* موسوعة علميّة وفكريّة 
نُقل عن بعض من عايشه في تلك المدرسة أنّه كان -على صغر سنّه- يحدّث الطلاب عن المذاهب الفكريّة والفلسفيّة المعاصرة وعن مفكّرين عالميّين، أمثال «فكتور هيغو» و«غوته»، وغير ذلك الكثير من المواضيع الفكريّة والعلميّة التي يصعب فهمها على الكبار فكيف بالصغار؟!

يقول أحد أساتذته حول ذكائه الكبير ونبوغه الحادّ وقابليّاته العظيمة: «كان طفلاً يحمل أحلام الرجال ويتحلّى بوقار الشيوخ، وجدت فيه نبوغاً عجيباً وذكاءً مفرطاً يدفعانك إلى الاعتزاز به، ويرغمانك على احترامه وتقديره، كما شاهدت كلّ المدرّسين أيضاً يكنّون له هذا الاحترام وهذا التقدير. لقد كان كلّ ما يدرسه في هذه المدرسة من العلوم كافّة دون مستواه العقليّ والفكريّ»(7).

* شغفُ المطالعة 
كان السيّد الصدر قدس سره شغوفاً بالقراءة، ومحبّاً لتوسيع دائرة معرفته، وساعياً بجهد إلى تنمية مداركه ومواهبه الفذّة. فلا تقع عيناه على كتاب إلّا وقرأه وفَقِهَ ما يحتويه، في حين يعزّ فهمه على كثير ممّن أنهوا المرحلة الثانويّة. ما طرق سمعه اسم كتاب في أدب، أو علم، أو اقتصاد، أو تاريخ إلّا وسعى في طلبه. كان يقرأ كلّ شيء. يقول أحد المعاصرين للشهيد الصدر قدس سره ممّن كان لديهم إلمام بالماركسيّة قائلاً: «لقد جاءني يوماً مبدياً رغبته في أن يقرأ بعض الكتب الماركسيّة ونظريّاتها ليطّلع على مكنوناتها. تردّدت في بادئ الأمر في إرشاده إلى ذلك لأنّه طفل، وخشيت أن تتشبّع أفكاره بها. وبعد إلحاح منه شديد، ولمّا كنت لا أحبّ ردّ طلبه، أرشدته إلى بعض المجلّات والكتب المبسّطة في كتابتها عن الماركسيّة وفي عرضها لها. وقد أخذت على عاتقي تهيئة ما تيسّر لي من هذه المجلات والكتب وهي نادرة وعزيزة لأنّها كانت آنذاك من الأصناف المحرّم بيعها في المكتبات. وبعد أن تسلّمها منّي تهلّل وجهه فرحاً ثمّ أعادها إليّ بعد أن قرأها، مكرّراً طلبه أن أجد له كتباً أكثر موضوعيّة، وأعمق شرحاً وعرضاً للآراء الماركسيّة، فهيّأت له ما طلب، وكنت أظنّ أنّه سوف لا يفقه منها شيئاً لأنّني أنا نفسي رغم مطالعتي الكثيرة في هذا الموضوع أجد أحياناً صعوبة في فهمها. وبعد مدّة أسبوع واحد أعادها إليّ وطلب غيرها». وأضاف قائلاً: «أحببت أن أعرف ما الذي استفاده هذا الطفل من قراءته لهذه الكتب، وإذا به يدخل في شرح الماركسيّة طولاً وعرضاً، فأخذت عن شرحه لها كلّ ما غمض عليّ معناه عند قراءتي له، فعجبت لهذا الطفل المعجزة وهو لمّا يزل في المرحلة الثالثة من الدراسة الابتدائيّة. وما زاد من اطمئناني أنّه كان يناقش كلّ رأي على حدة مناقشة العالم المتبحّر في العلم، فاطمأننت بأنّه لم يتأثّر بالماركسيّة مطلقاً، وأنّه كان يقرؤها كناقد لا كدارس لها»(8).

* نبوغ مدهش 
ويقول عنه مدرّس اللغة: والله، لولا الأنظمة والقوانين، ولو كانت ثمّة حكومة تقدّر النبوغ والكفاءة، لمنحته الشهادة الثانويّة بأعلى الدرجات، وفتحت له أبواب الكلّيّات ليختار منها ما يشاء، وكفته أمر الذهاب إلى المدرسة والعودة منها إلى البيت. إنّ إلمامه بعلوم اللغة العربيّة يفوق حدّ التصوّر لطفل في سنّه. وكم من مرّة جعلني أقف أمامه ولا أحير جواباً، فأضطرّ أن أؤجّل الجواب عن سؤاله إلى يوم آخر، لئلّا أكون في موضع العاجز عن الجواب أمام تلامذتي. وقال هذا الشيء عينه مدرّس الدين: «إنّه يصلح أن يكون مدرّساً للدين وأصوله». وقال كذلك مدرّسو العلوم الأخرى، مبدين دهشتهم وحيرتهم من نبوغ هذا الطفل ومستواه، خائفين أن يقتله ذكاؤه(9).

لقد حرصت على نقل هذه الشهادات عن أساتذته لأنّها خير معبّر عن ذهنيّة هذا الطفل ونفسيّته وروحيّته وأخلاقه، والذي سنجد أنّه ظلّ جديراً بهذه الصفات، ومجسّداً لتلك السجايا والخصال إلى آخر لحظة في حياته.

* الهجرة إلى النجف الأشرف والتألّق العلميّ 
هاجر السيّد الصدر قدس سره إلى النجف الأشرف برفقة أخيه الأكبر السيّد إسماعيل، ومع أفراد العائلة كافّة في حدود عام 1365هـ الموافق لعام 1945م(10). وبانتقاله إلى النجف الأشرف، بدأت مسيرته العلميّة الحقيقيّة:

1. مرحلة المقدّمات والسطوح: في الحادية عشرة من عمره كان يدرس المنطق، وقد ألّف رسالة فيه في هذا التاريخ انطوت على تعليقات ونقد لبعض الكتب المنطقيّة(11). وأمّا الكتب الدراسيّة والحوزويّة المتعارف عليها، فإنّ السيّد الصدر نفسه يذكر أنّه كان قد فهم أكثرها –وعبر مرحَلتَي المقدّمات والسطوح الحوزويّتين– من دون حاجة إلى مدرّس(12). والذي يعرف مستوى هذه الكتب، وما تنطوي عليه من عمق وتعقيد، يدرك أنّ فهمها من المتعذّر عادةً أن يحصل دون أستاذ متمرّس، ولكنّ قابليّاته واستعداداته العقليّة جعلته يتخطّى ذلك بنفسه ودون مساعدةٍ من أحد(13). 

2. مرحلة البحث الخارج: إلى هذا، وعندما تجاوز مرحلة «السطوح» العلميّة وانتقل إلى مرحلة «البحث الخارج»، حيث يلقي عادة المراجع أبحاث الفقه والأصول، فقد حضر السيّد الصدر قدس سره – كما يذكر هو نفسه– عند عدد من كبار العلماء كأبي القاسم الخوئي(14) ومحمّد رضا آل ياسين وغيرهما، حيث أنهى حضور الأبحاث العليا في الأصول في نحو عام 1379هـ الموافق لعام 1959م. أمّا الأبحاث العليا في الفقه، فقد انتهى من حضورها عام 1378هـ الموافق لعام 1958م. وبعدها بسنة، يذكر السيّد الصدر قدس سره أنّه شرع في تدريس بحث الخارج في الأصول. وبعد ذلك بنحو سنتين، قام بتدريس بحث الخارج في الفقه(15). ومن اللافت حقّاً أن يتصدّى شابّ في الخامسة والعشرين من عمره لتدريس الخارج في الأصول والفقه، وفي حوزة النجف الكبرى التي لم يكن يتصدّى فيها لذلك إلّا العلماء الكبار، لا بعلمهم فحسب بل وبأعمارهم أيضاً، وهذه سابقة تسجّل له. 

وحول هذا النبوغ العلميّ للسيّد الصدر قدس سره، ينقل عنه تلامذته أنّه كان يقول: «إنّي لم أقلّد أحداً منذ بلوغي سنّ الرشد»(16). ونذكر أيضاً أنّ «مناقشة حدثت بين السيّد الصدر وأستاذه السيّد الخوئي في مسائل الحجّ فاستطاع أن يغيِّر أكثر من عشر فتاوى للسيد الخوئي في هذا الموضوع خلال ساعة واحدة أو ما يقارب ذلك»(17). ومن اللافت أيضاً في شخصيّة الصدر العلميّة أنّ جميع مؤلّفاته قد كتبها مرّة واحدة وبلا إعادة نظر فيها، فهو لا يعرف ما نسمّيه بالمسوّدة والمبيّضة، وحتّى أدقّ كتبه وأصعبها ككتاب «الأسس المنطقيّة للاستقراء» فقد كتبه مرّة واحدة(18). 

لقد كان السيد الصدر قدس سره من أشد المعارضين لنظام صدام، وقد حاول هذا الأخير تطويعه مستخدماً معه أسلوب الترغيب ليتراجع عن آرائه وفتاواه المعارضة، إلا أنّ محاولاته باءت بالفشل، فأقدم على إعدامه هو وأخته آمنة في 9 نيسان 1980م؛ لتكون هذه الجريمة المروعة إحدى أبشع الجرائم التي ارتكبها صدام.


* محاضر حوزويّ وجامعيّ.
(1) الكلمات القصار: منتخبات من كلام سيّد شهداء المقاومة السيّد عباس الموسويّ (رضوان الله عليه)، ص 219. 
(2) شهيد الأمّة وشاهدها، النعماني، ج 1، ص 47. 
(3) راجع: الشهيد الصدر: سنوات المحنة وأيّام الحصار، ص27-69. 
(4) راجع: المصدر نفسه، ص 28-41. 
(5) شهيد الأمّة وشاهدها، مصدر سابق، ج 1، ص 48 - 49. 
(6) مباحث الأصول، كاظم الحائري، ج1، ص 31. 
(7) المصدر نفسه، ج1، ص13-28. 
(8) المصدر نفسه،ج1، ص 34-36. 
(9) المصدر نفسه، ج 1، ص 34-36. 
(10) شهيد الأمّة وشاهدها، مصدر سابق، ج 1، ص 65. 
(11) المصدر نفسه، ج 1، ص 65. 
(12) المصدر نفسه، ج 1، ص 65. 
(13) راجع: المصدر نفسه، ج 1، ص 65-68. 
(14) ولد عام 1899م في خوي في إيران وتوفي عام 1992م في النجف الأشرف. وهو أحد كبار مراجع التقليد عند الشيعة الإماميّة. ترك ما يربو على الأربعين مصنّفاً في الفقه والأصول والتفسير والرجال. من مؤلّفاته: معجم رجال الحديث، وأجود التقريرات، والبيان في تفسير القرآن. 
(15) شهيد الأمة وشاهدها، مصدر سابق، ج 1، ص 66. 
(16) المصدر نفسه، ص 69. 
(17) المصدر نفسه، ج 1، ص 73. 
(18) الشهيد الصدر: سنوات المحنة وأيّام الحصار، مصدر سابق، ص 51.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع