نور روح الله | يوم القدس: يوم الإسلام* إلى قرّاء القرآن: كيف تؤثّرون في المستمعين؟* أخلاقنا | ذكر الله: أن تراه يراك*  مفاتيح الحياة | الصدقات نظامٌ إسلاميٌّ فريد(2)* آداب وسنن| من آداب العيد  فقه الولي | من أحكام العدول في الصلاة مـن علامــات الظهــور: النفس الزكيّة واليمانيّ* تسابيح جراح | بالصلاة شفاء جراحي صحة وحياة | الرّبو والحساسيّة الصّدريّة تاريخ الشيعة| شيعة طرابلس في مواجهة الصَّليبيّين

مناسبة | بموسى بن جعفر عليه السلام تُقضى الحوائج


من الألقاب التي اشتهر بها الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام "باب الحوائج"، فقد كان عليه السلام في حياته الدنيويّة باباً بل دوَّاراً لقضاء حوائج الناس.

* المباشرة في قضاء الحوائج
ففي سيرته المباركة أنّه كان يتفقّد الفقراء في الليل، فيحمل إليهم الدقيق والتمر دون علمهم بذلك. وكان عليه السلام يُصرّ الدنانير، ويخرج بها ليلاً ليوزّعها على بيوت المحتاجين. وكان عليه السلام يبيِّن للناس أنّ الإنفاق في سبيل الله نفعه محسوم، وضرره موهوم، فكان عليه السلام –فيما روي عنه- يرسم هذه المعادلة: "إيّاك أن تمنع في طاعة الله، فتنفق مثليه في معصية الله"(1).

* السعي لقضاء الحوائج
وكما كان الإمام عليه السلام يباشر في قضاء حوائج الناس، فإنَّه كان يسعى لدى الآخرين لأجل ذلك. ومن لطيف ما ورد في حياة الإمام عليه السلام قصّة ذلك الرجل من أهل الريِّ الذي كان مطالَباً بمالٍ لأحد الولاة الذي كان من شيعة أهل البيت عليهم السلام، وكان ذلك الرجل في ضيق من تسديد ذلك الدين، فكان الحلّ عنده ما عبَّر عنه قائلاً: "هربت إلى الله تعالى، وحججت، ولقيت مولاي الصابر -يعني موسى بن جعفر عليهما السلام- فشكوت حالي إليه، فأصحبني مكتوباً نسخته: (بسم الله الرحمن الرحيم، اعلم أنّ لله تحت عرشه ظلّاً لا يسكنه إلّا من أسدى إلى أخيه معروفاً، أو نفّس عنه كربة، أو أدخل على قلبه سروراً، وهذا أخوك والسلام). قال: فعدت من الحجّ إلى بلدي، ومضيت إلى الرجل ليلاً واستأذنت عليه، وقلت: رسول الصابر عليه السلام، فخرج إليَّ حافياً ماشياً، ففتح لي بابه، وقبّلني، وضمّني إليه، وجعل يقبّل عيني، ويكرّر ذلك، كما سألني عن رؤيته عليه السلام، وكلّما أخبرته بسلامته وصلاح أحواله استبشر وشكر الله تعالى. ثمّ أدخلني داره وصدرني في مجلسه، وجلس بين يدي، فأخرجت إليه كتابه عليه السلام، فقبّله قائماً وقرأه، ثمّ استدعى بماله وثيابه فقاسمني ديناراً ديناراً، ودرهماً درهماً، وثوباً ثوباً، وأعطاني قيمة ما لم يمكن قسمته، وفي كلّ شيء من ذلك يقول: يا أخي هل سررتك؟ فأقول: إي والله، وزدت على السرور، ثمّ استدعى العمل [العامل]، فأسقط ما كان باسمي، وأعطاني براءة ممّا (يوجبه) عليّ منه، وودّعته، وانصرفت عنه. فقلت: لا أقدر على مكافأة هذا الرجل إلّا بأن أحجّ في قابل وأدعو له، وألقى الصابر عليه السلام، وأعرّفه فعله، ففعلت، ولقيت مولاي الصابر عليه السلام وجعلت أحدّثه، ووجهه يتهلّل فرحاً، فقلت: يا مولاي هل سرَّك ذلك؟ فقال: (أي والله لقد سرَّني، وسرَّ أمير المؤمنين، والله لقد سرَّ جدّي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولقد سرَّ الله تعالى)"(2).

* قراءة في رسالة الإمام عليه السلام 
في العودة إلى نصّ رسالة الإمام عليه السلام، فإنّها تتحدّث عن أعمال ثلاثة تستوجب التظلّل بظلّ إلهيّ خاصّ تحت عرش الله تعالى، هي:

1. إسداء المعروف: (من أسدى إلى أخيه معروفاً). والمعروف كثير، وصور إسدائه وإعطائه غير محصورة، منها: قضاء دين المديون، تكفُّل أولاد الفقراء بتعليمهم، تأمين وظيفة وعمل لمحتاج، التدخلّ لحلّ مشكلة بين أخوين أو زوجين، وأفضلها هداية الإنسان. وفي هذا روي في سيرة الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام أنّه مرّ على دار بشر بن حارث في بغداد، فسمع الملاهي وأصوات الغناء تخرج من تلك الدار، فخرجت جارية وبيدها قمامة، فرمَتْ بها في الدرب، فقال عليه السلام لها: يا جارية، صاحبُ هذه الدار حرّ أم عبد؟ فقالت: بل حرّ، فقال: صدقت لو كان عبداً خاف من مولاه. فلمَّا دخلت قال مولاها وهو على مائدة السكر: ما أبطأك؟ فقالت: حدّثني رجل بكذا وكذا، فخرج حافياً حتّى لقي مولانا الكاظم عليه السلام، فتاب على يده، واعتذر وبكى لديه استحياء من عمله. وعزم أن يبقى حافياً طوال حياته حتّى عُرف بـ"بشر الحافي". وقد نقلت كلمات الإمام موسى الكاظم عليه السلام هذه بشرًا من السكِّير الفاسق إلى قائمة الزهَّاد، فكان يقول: "إنَّ في هذه الدار نملة تجمع الحبّ في الصيف لتأكله في الشتاء، فلمّا كان يوم أخذت حبّة في فمها، فجاء عصفور فأخذها والحبّة، فلا ما جمعت أكلت، ولا ما أملت نالت"(3).

2. تنفيس الكرب: الكربة من الكرب، وهو الغمّ الذي يأخذ بنفس المغموم(4) بكظمه، وهو مخرج النفس فلا يقدر على التنفّس(5). من يزيل هذا الغمّ أو يخفّفه عن أخيه يصدق عليه أنّه قد نفّس كربته. وقد ورد في عظيم أثر تنفيس الكربة عن الإمام علي عليه السلام : "من كفّارات الذنوب العظام إغاثة الملهوف والتنفيس عن المكروب"(6). ولتنفيس الكرب أشكال عدّة، منها:

أ. قضاء حاجة خانقة: ولو كان بتمرة واحدة، فعن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: "أوحى الله إلى داوود عليه السلام إنّ العبد من عبادي ليأتيني بالحسنة فأدخله الجنّة، قال: يا ربّ وما تلك الحسنة؟ قال: يفرج عن المؤمن كربه ولو بتمرة، فقال داوود عليه السلام : يا ربّ، حقّ لمن عرفك أن لا يقطع رجاءه منك"(7).

ب. تعزية المغموم بفقد عزيزه: فقد ورد أنّه كان فيما ناجى به كليم الله موسى عليه السلام ربّه قال: "يا ربّ ما لمن عزّى الثكلى؟ قال: أظلّه في ظلّي يوم لا ظلّ إلا ظلّي"(8). والتعزية تكون من خلال الزيارة، والمصافحة، وإبداء المساندة المعنويّة، والتعبير عمّا يسلِّي المغموم. وممّا ورد أنّ الإمام عليّاً عليه السلام عزّى رجلاً بفقد ولده، فقال له: "إن تحزن فقد استحقَّت ذلك منه الرحم، وإن تصبر ففي الله خلفك من ابنك، وإن صبرت جرى عليك القدر وأنت مأجور، وإن جزعت جرى عليك القدر وأنت مأثوم"(9).

3. إدخال السرور: (أدخل على قلبه سروراً) تحدّثت الروايات الواردة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام عن ثواب عظيم يجنيه من يُدخل السرور على قلب المؤمن، فعن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : "من أدخل على مؤمن فرحاً فقد أدخل عليّ فرحاً، ومن أدخل عليّ فرحاً فقد اتّخذ عند الله عهداً، ومن اتّخذ عند الله عهداً، جاء من الآمنين يوم القيامة"(10). وعن الإمام الكاظم عليه السلام أنّه قال لعليّ بن يقطين: "من سرّ مؤمناً فبالله بدأ، وبالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ثنَّى، وبنا ثلَّث"(11).

وإدخال السرور على قلب المؤمن له صور عديدة من قبيل: زيارته، وإهدائه ما يحبّ، ومساعدته فيما يحتاج، وممازحته، وبعث رسالة له في مناسبة يحبّها. فإذا قام بذلك، كان ثوابه على ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام : "إذا بعث الله المؤمن من قبره خرج معه مثال يقدم أمامه، كلّما رأى المؤمن هولاً من أهوال يوم القيامة قال له المثال: لا تفزع ولا تحزن...، فيقول (له المؤمن) من أنت؟ فيقول: أنا السرور الذي كنت أدخلته على أخيك المؤمن"(12).

* باب الحوائج في برزخه
إنّ لقب باب الحوائج لم يقتصر على الحياة الدنيويّة للإمام موسى الكاظم عليه السلام، فمرقده موئل لطالبي الحاجات من مختلف المذاهب. يقول شيخ الحنابلة الحسن بن إبراهيم الخلال: "ما همّني أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر فتوسّلت به، إلّا سهّل الله تعالى لي ما أُحبّ"(13). كذلك يقول الإمام الشافعي: "قبر موسى الكاظم الترياق المجرّب"(14). وروي أنّ امرأة كانت تهرول، قيل لها: إلى أين؟ قالت: إلى موسى بن جعفر؛ فإنّه حُبس ابني، فقال لها أحدهم: إنّه -أي الإمام الكاظم عليه السلام - قد مات في الحبس، فقالت: "بحقّ المقتول في الحبس أن تريني القدرة"، فإذا بابنها قد أُطلق سراحه(15).


(1) بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 75، ص 320.
(2) المصدر نفسه، ج 48، ص 174.
(3) الكتى والألقاب، الشيخ القمي، ج2، ص168.
(4) المصدر نفسه، ج 2، ص 169.
(5) انظر: العين، الفراهيدي، ج 5، ص 36.
(6) انظر: المصدر نفسه، ص 345.
(7) وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج 16، ص 373.
(8) المصدر نفسه، ج 16، ص 351.
(9) الكافي، الشيخ الكليني، ج 3، ص 226.
(10) روضة الواعظين، الفتال النيسابوري، ص 423.
(11) بحار الأنوار، مصدر سابق، ج 71، ص 413.
(12) المصدر نفسه، ج 48، ص 136.
(13) انظر: الكافي، مصدر سابق، ج 2، ص 190.
(14) بحار الأنوار، مصدر سابق، ج 99، ص 1.
(15) المصدر نفسه، ج 48، ص 318.
(16) انظر: المصدر نفسه، ج 99، ص 1.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع

البقاع

سلوى محمد نمر

2024-02-12 02:22:18

مقال جميل من الكاتب؟