مع الخامنئي | كنوز البعثة النبويّة* نور روح الله | بالإسلام قامت الثورة أخلاقنا | أيّها الإنسان...هل تعتبر؟ فقه الولي | من أحكام مقاطعة منتجات العدوّ إضاءات فكرية | الإنسان إذا تألّه الشيخ راغب: "لقد هزئنا بالاحتلال" الشهيد سليماني: الشهيد مغنيّة شخصيّة لن تتكرر* أدب وفن | فلسطين في مرآة السينما كيف ننتظر الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف؟ الحرب الإسرائيليّة على العقيدة المهدويّة

تاريخ الشيعة| شيعة الشام في العصر العبّاسيّ (2)

د. غسان طه

 

لقد عاش الشيعة في بعض المراحل ضغوطاً متنوّعة من بعض الخلفاء العبّاسيّين، فعانوا من التنكيل والاضطهاد، ومن القتل والتشريد، واستفادوا في مراحل أخرى من المناخات المؤاتية سواء المتّصلة بمواقف بعض الخلفاء الذين أظهروا تسامحاً حذراً مع أئمّة الشيعة عليهم السلام، أو من المناخات العامّة التي سمحت بنشر العقائد والأفكار، جرّاء حركة العلم والنقل والترجمة وانتشار المدارس ودور العلم.

* ثورات متتالية ضدّ العبّاسيّين
مع بداية الدعوة العبّاسيّة، كان الشعار الذي طرحه العباسيّون "الرضى من آل محمد" مرتكزاً للإجماع داخل البيت الهاشميّ، وهم قرابة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وبين أتباع أهل البيت عليهم السلام من الفرع العلويّ، استمر الوضع هادئاً نسبيّاً في ظاهره بين العبّاسيّين والفرع العلويّ أكثر من عقد ونصف بعد إقصاء الأمويّين، ولكن سرعان ما كشفت مجموعة من الثورات عمق الخلاف والتباين القائم بينهما، منها:

1. ثورة "النفس الزكّية": أعلن محمّد بن عبد الله(1)، الملقّب بالنفس الزكّية، وأخوه إبراهيم، الخروج على الخليفة العبّاسيّ أبي جعفر المنصور في رجب عام 145هـ في المدينة والبصرة(2). لم تمتدّ الثورة إلى بلاد الشام رغم تأييد عدد من العلماء والفقهاء لها، وانتهت بمقتل قائدها، كما تنبّأ لها الإمام الصادق عليه السلام الذي تجنّب الخوض في شرعيّة الخروج أو عدمه، مكتفياً بالقول إنّ الثورة ستنتهي بمقتل قائدها دون أن يعني ذلك اعترافاً فعليّاً بها(3).

2. ثورة أبي العميطر: ظهرت شعارات منذ أواخر العهد الأمويّ لاقت رواجاً أثناء بعض الحركات الثوريّة المناهضة للعباسيّين، ففي أواخر الدولة الأمويّة، بدأت فكرة الاعتقاد بظهور المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف وانتظاره تشتدّ في نفوس المسلمين، ولم يقتصر هذا الاعتقاد على أتباع آل البيت عليهم السلام وحدهم، بل تعدّاهم إلى أتباع أهل السنّة(4). وانتشرت الأحاديث حول ظهور السفيانيّ المنتظر والقحطانيّ، وانتشرت نبوءة ذوي الأعلام السود الذين يخرجون من الشرق ويزيلون عرش بني أميّة.

مع ذلك، برزت مشاركة شيعيّة ضدّ العبّاسيّين في بلاد الشام بعد مضي نحو نصف قرن من الزمن، وتحديداً خلال عام 195هـ في إثر خلافة هارون العباسيّ، إذ كان قد تمرّد أحد المتحدّرين من سلالة معاوية مدّعياً أنّه السفيانيّ، وكان اسمه عليّ بن عبد الله، وأمّه نفيسة بنت عبيد الله(5)، المعروف بأبي العميطر، وقد أعلن أنّه المهديّ المنتظر، وحاول نيل مساندة المسلمين الشيعة بادّعائه التحدّر من جهة والدته من الإمام عليّ عليه السلام (6). وأدّت حركته إلى طرد الحاكم العبّاسيّ من دمشق، وساندته القبائل اليمنيّة وسكّان المقاطعات في جبل عامل، كما مال إليه اللبنانيّون في صيدا والسواحل والبقاع وبعلبك(7).

وكان أصحابه يوم ادّعى الخلافة، يدورون في أسواق دمشق ويقولون للناس: "قوموا وبايعوا المهديّ". أمّا هو فكان يفتخر بقوله: "أنا ابن شيخَي صفّين"، يعني عليّاً ومعاوية، لأنّه كان يُنسب إلى معاوية من جهة الأب وإلى عليّ بن أبي طالب عليه السلام من جهة الأمّ(8).

لا مراء في القول إنّ شعار انتساب أبي العميطر إلى الإمام عليّ عليه السلام ومعاوية في القرابة ودوران أصحابه طلباً للمبايعة في شوارع دمشق على أنّه المهديّ، يقدّم دلالة بالغة على أنّ ثمّة وجوداً وازناً للشيعة في أحياء دمشق آنذاك، ويمكن الرهان عليه في الثورة ضدّ العبّاسيّين، ممّا يعني أيضاً أنّ مزاج الشاميّين كان قد بدأ يشهد تحوّلات في أواخر العهد الأمويّ، وإلّا فما الذي يحوج العميطر إلى طرح شعار يمكن أن يبعد القبائل الأمويّة التي ما زالت الخلافة الأمويّة تسكن في عاطفتها ووجدانها، وويلات حروب صفين ماثلة في ذاكرتها القريبة؟

إنّ طرح ذلك الشعار ذي البُعد القرابيّ المشترك، يراد له توجيه الأنظار نحو نبذ الخلاف والتوحّد حول قضيّة مشتركة بطلها هو مهديّ هذه الأمّة، يدغدغ العاطفة والميل نحو العدالة والأمل بغد أفضل.

3. ثورة الحسين بن عليّ: في عام 169هـ، خرج الحسين بن عليّ(9) في ثورة في عهد الخليفة الهادي بالقرب من مكّة، وكانت ثاني معارك العلويّين ضدّ العبّاسيين، وانتهت الثورة باستشهاده.

4. ثورة محمّد بن جعفر: في عام 200هـ، خرج محمّد بن جعفر(10) في المدينة، بتأييد أهلها ومبايعتهم، انتهت الثورة بعد فشلها بالحصول على الأمان من الخليفة العبّاسيّ، بتوسّط ابن أخيه الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام وانتهت بنفيه إلى خراسان.

5. ثورة محسن بن جعفر: في خاتمة القرن الثالث للهجرة، ظهر ابن الرضا، وهو محسن بن جعفر(11) في أعمال دمشق سنة 300هـ، وكانت له مع أبي العبّاس أحمد بن كيغلغ القائم على إمارة الشام، باسم الخليفة المكتفي العبّاسيّ، وقعةٌ فقُتل صبراً، وقيل إنّه قُتل في المعركة، وذكر المسعودي أنّه لو تمّ الأمر لابن الرضا، لقامت دولته قبل الفاطميّين(12).

ما يهمّنا في هذا المجال، أنّ هذه الثورات التي أطلقها بعض الشيعة، كانت محدودة في المدينة ومكّة وامتدّت إلى العراق، ولم تصل إلى بلاد الشام.

* دور أئمّة أهل البيت عليهم السلام
1. اعتماد خطاب توعويّ هادئ: في مقابل تلك المعارضة الساخنة التي تجلّت بالثورات، برزت معارضة هادئة تمثّلت بالدور الذي أدّاهُ أئمّة أهل البيت عليهم السلام، الذين عاصروا عدداً من الخلفاء العبّاسيّين حتّى عصر الغيبة الكبرى، إذ دافعوا بشكلٍ صريح وبأسلوب دعويّ هادئ محاط بخلفيّة دينيّة وفكريّة عن فكرة الإمامة، كما مارسوا دورهم في نشر الدين والعقيدة وشريعة الإسلام، فاجتمع حولهم الكثير من الأتباع والأنصار والمؤيّدين الذين برزوا حتّى داخل بلاط الخلافة، فكان منهم أبو سلمة الخلال أوّل وزير في الدولة العبّاسيّة، وقد مُنح لقب "وزير آل محمّد" في عهد الخليفة العبّاسيّ المنصور، ومحمّد بن الأشعث وزير هارون الرشيد، وكذلك عليّ بن يقطين، وطاهر الخزاعيّ حاكم إقليم خراسان في عهد المأمون(13).

2. تثبيت التشيّع عبر التعليم: كان العبّاسيّون في بداية تسلّمهم للسلطة، لا يمتلكون نظريّة فكريّة أو دينيّة ينطلقون من خلالها لتبرير تمسّكهم بالسلطة وتولّيها، سوى أنّهم أبناء عمّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وبوصفهم الورثة له من الذكور، باعتبار أنّ أقربهم للرسول ابن عمّه العبّاس(14)، وهم بذلك مقدّمون على بني فاطمة عليها السلام . كذلك تطلّب الموقف الارتقاء والتعالي بالسياسة إلى خطاب أيديولوجيّ ردّ تولّي السلطة إلى إرادة الله واختياره.

كان الإمام الصادق عليه السلام أوّل أئمّة أهل البيت عليهم السلام الذين عايشوا العصر العبّاسيّ، فاستكمل عليه السلام ما بدأه أبوه الإمام الباقر عليه السلام في زمن الخلافة الأمويّة مستفيداً من الأوضاع القائمة، فعمل على تثبيت التشيّع وتركيزه عبر التعليم، ولا سيّما مع بروز أفكار واتّجاهات حول الإمامة، سواء على مستوى السلطة العبّاسيّة الناشئة أو على مستوى التيّارات المعارضة، ولا سيّما الشيعيّة منها.

3. وضع أُسس فكريّة وكلاميّة: كانت قد برزت اتّجاهات مغالية ضمن الشيعة، خصوصاً اتجاه يدّعي أنّ محمد ابن الحنفية هو المهديّ الموعود، وقد عُرف أصحاب هذا الاتجاه فيما بعد بالكيسانيّة، واتجاه آخر ظهر في العراق وبلاد فارس موالٍ ليحيى بن زيد، في حين بقي آخرون على موالاتهم للإمام الصادق عليه السلام .

بناءً على هذا الانقسام السائد، ومع بروز العديد من الاتّجاهات الفكريّة في علم الأصول والكلام، وبروز الفرق وحتّى الملحدة منها، شرع الإمام الصادق عليه السلام بوضع أساس فكريّ وكلاميّ(15) محكم وتثبيت فكرة الإمامة، وإعادة تكوين الجماعة الشيعيّة المشتّتة، فاستطاع عليه السلام وضع الأسس التي اعتمدها الشيعة الاثنا عشريّة، لا سيّما لدى تلامذته الذين كتبوا من أحاديثه ومصنّفاته ما يصل إلى 400 مصنّف(16). ووصل عدد الرواة الذين نقلوا عنه إلى ما يربو على ثلاثة آلاف، وبذلك كانت جهود الإمام الصادق عليه السلام ترنو نحو بناء التشيّع الإماميّ وتثبيته(17).

* مذهب أهل البيت عليهم السلام في الشام
كان من تأثيرات الحركة الثقافيّة والفكريّة التي توسّعت من القرن الثاني، زمن الإمام الصادق عليه السلام، أن تتجاوز المدينة والعراق إلى عموم العالم الإسلاميّ. وكانت أرض الشام تشكّل إحدى الحواضر التي تعرّف أهلها على مذهب أهل البيت عليهم السلام، من خلال أصحاب الإمام الصادق عليه السلام أو تلامذتهم الذين نهلوا من مدرسته ووفدوا إلى تلك البلاد سواء من خلال العلاقات التجاريّة، أو للإقامة فيها، ومن بين هؤلاء، آل شعبة الذين جاؤوا من الكوفة إلى حلب وراحوا يروون الحديث عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام (18)، ومحمّد بن عليّ الحلبيّ وأخوه عبد الله، ومنهم من عاصر الإمام الرضا (203هـ) والتقاه مثل أحمد بن عمر الحلبيّ(19).

1- هو محمّد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام .
2- تاريخ الأمم والملوك، الشيخ الطبري، ج 7، ص 566.
3- المصدر نفسه.
4- تاريخ الدولة الفاطميّة، حسن إبراهيم حسن، ص26.
5- هي نفيسة بنت عبيد الله بن العبّاس بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام .
6- لبنان من قيام الدولة العباسيّة، عبد السلام تدمري، ص 50.
7- لبنان من الفتح العربيّ حتّى الفتح العثمانيّ، محمّد علي مكي، ص 71.
8- خطط الشام، محمّد كرد علي، ج 1، ص 183.
9- هو الحسين بن عليّ بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام .
10- هو محمّد بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام .
11- هو محسن بن جعفر بن عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى الرضا عليه السلام .
12- مروج الذهب، المسعودي، ج 4، ص 217.
13- محسن الأمين، أعيان الشيعة، ج 1، ص 691.
14- تاريخ الأمم والملوك، مصدر سابق، ج4، ص431.
15- نظريّة السلطة في الفقه الشيعيّ، توفيق السيف، ص 217-219.
16- سيرة الأئمّة الاثني عشر، هاشم معروف الحسني، ص 246.
17- تاريخ التشريع الإسلاميّ، عبد الهادي الفضلي، ص 206.
18- حلب والتشيّع، إبراهيم نصر الله، ص 20.
19- الحياة الثقافيّة في جبل عامل، محمّد كاظم مكي، ص 61.

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع