الشيخ د. غسّان الأسعد
يولي الإسلام أهميّة خاصّة لوجود القائد في المجتمع الإسلاميّ. ومن الواضح أنّ المصداق الأبرز لهذا القائد يتمثّل في الإمام المعصوم. ويرى الشيعة الإماميّة أنّ الإمامة منصب إلهيّ، لا يقتصر على البُعد السياسيّ أو الاجتماعيّ فحسب، بل هو امتداد للرسالة النبويّة. لذلك، فإنّ موقع القيادة في الأمّة الإسلاميّة، وفق الرؤية الشيعيّة، لا يمكن أن ينفصل عن الشريعة والدين.
• موقع القيادة وأهميّته
يقدّم الإسلام نموذجاً حضاريّاً متكاملاً يرعى مختلف الشؤون التي يحتاج إليها الناس، سواء أكان ذلك على المستوى السياسيّ أم الدينيّ أم الاجتماعيّ أم الثقافيّ. بالتالي، فإنّ القائد ينبغي أن يكون معنيّاً بالإشراف على مختلف الجوانب والاهتمام بها، بحيث يلبّي حاجات الناس بما يتناسب مع أحكام الشريعة وأهدافها. وهذا لا يختصّ بالإمام المعصوم، بل إنّ من يتولّى قيادة الأمّة وحاكميّتها في ظلّ غياب الإمام، ينبغي أن يكون قادراً على مراعاة أحكام الشريعة وأهدافها ومقاصدها الكبرى. ولذلك، يشترط أن يكون المتصدّي لشؤون الناس -الوليّ الفقيه- فقيهاً وعالماً متعمّقاً بالشريعة وأحكامها.
وبغضّ النظر عن الإمامة، فإنّ ثمة العديد من النصوص التي تشير إلى ضرورة وجود القائد، وقد ورد في كلمات أمير المؤمنين عليه السلام في مقام محاججة الخوارج الذين ادّعوا خلوَّ الشريعة من منصب القيادة والحاكميّة، فقال عليه السلام: «يَقُولُونَ: لا إِمْرَةَ، فَإِنَّهُ لاَ بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ، يَعْمَلُ فِي إِمْرَتِهِ الْـمُؤْمِنُ، وَيَسْتَمْتِعُ فِيهَا الْكَافِرُ، وَيُبَلِّغُ اللهُ فِيهَا الأَجَلَ، وَيُجْمَعُ بِهِ الْفَيءُ، وَيُقَاتَلُ بِهِ الْعَدُوُّ، وَتَأْمَنُ بِهِ السُّبُلُ، وَيُؤْخَذُ بِهِ لِلضَّعِيفِ مِنَ الْقَوِيِّ، حَتَّى يَسْترِيحَ بَرٌّ، وَيُسْترَاحَ مِنْ فَاجِرٍ»(1). فمن الواضح أنّ الإمام عليه السلام يرى أنّ غياب الحاكم يعني الفوضى، وغياب الاستقرار والأمن، وضياع الدين.
تجدر الإشارة إلى أنّ أهميّة موقع القيادة وخطورتها ليسا من مختصّات الإسلام، بل إنّ هذا ما يمكن تلمّسه واستكشافه من سلوك العقلاء في المجتمعات البشريّة كافّة على تنوّعها واختلافها؛ فلا نكاد نجد مجتمعاً على امتداد تاريخ البشريّة إلّا ويعتمد في تيسير شؤونه وتنظيمها على وجود حاكم أو قائد أو رئيس يقود مسيرة المجتمع ويرعى شؤون الناس. لكن ما يميّز الشريعة الإسلاميّة أنّها لا تنظر إلى موقع القائد بمعزل عن الدين وأهدافه.
• مبرّرات التنوّع في أدوار القادة
بناءً عليه، فإنّنا نجد أنّ وظيفة الإمام والقائد في المجتمعات الإسلاميّة بشكل أساسيّ هي حفظ الدين، وتطبيق الشريعة، ورعاية العدل وشؤون الناس، والحفاظ على أمن المجتمع الإسلاميّ. وفي هذا السياق، نجد أنّ هذا الهدف المحوريّ هو الذي سعى أئمّة أهل البيت عليهم السلام طوال مسيرتهم للحفاظ عليه، ومواقفهم تتمحور حول هذه الأهداف التي لم تتبدّل يوماً، وإنْ تبدّلت أدوارهم وطريقة عملهم. من هنا، يرى الشهيد محمّد باقر الصدر رحمه الله أنّنا عندما ندرس حياة أئمّة أهل البيت عليهم السلام، لا ينبغي أن نقتصر في ذلك على الدراسة الجزئيّة لحياة كلّ إمام على حدة، بل أن ننظر إلى حياتهم نظرة كلّيّة، بحيث تمثّل حياتهم عليهم السلام كلّاً مترابطاً ومتّسقاً يمكّننا من استخلاص الدور المشترك بينهم، ويمنحنا القدرة على استكشاف ما يعبّرون عنه من ملامح وأهداف عامّة. فعندما ننظر إلى حياة أئمّتنا عليهم السلام، نجد أنّها متباينة ومختلفة في النظرة الأوّليّة؛ فالإمام الحسن عليه السلام فاوض معاوية ووقّع معه اتّفاقاً يتنازل فيه عن الحكم مؤقّتاً، بينما نجد أنّ الإمام الحسين عليه السلام حارب يزيد وقاتله حتّى الشهادة. وكذلك كان دور الإمام زين العابدين عليه السلام مختلفاً تماماً عن دور آبائه عليهم السلام(2). إلّا أنّ النظرة الكلّيّة الفاحصة تكشف لنا انسجام مواقفهم في تمحورها حول الأهداف العامّة والكبرى.
• أدوار ممتدّة
لا شكّ في أنّ هذا التنوّع والاختلاف لا ينحصر بحياة الأئمّة المعصومين عليهم السلام فقط، إنّما يمكن أن نتلمّسه أيضاً في حياة كلّ من الإمام الخمينيّ رحمه الله والإمام علي الخامنئيّ دام ظله، بحيث نجد أنّ الأدوار التي مارسها الإمام الخمينيّ رحمه الله إبّان تأسيس الجمهوريّة الإسلاميّة مختلفة عن الأدوار التي مارسها الإمام الخامنئيّ دام ظله في مرحلة الحفاظ على الثورة وضمان بقائها واستمرارها وتطويرها. ولا ينبغي التوهّم بأنّ ذلك يرجع إلى الاختلاف في التشخيص أو التقدير بين الشخصيّتين، بل إنّما يرجع بشكل أساسيّ إلى اختلاف الظروف والأوضاع السياسيّة والمقتضيات الاجتماعيّة والاقتصاديّة، وغيرها من العوامل التي تقتضي اتّخاذ قرارات مختلفة تتناسب معها.
ولعلّه يمكن أن نجد أثراً لهذا الاختلاف في حياة القائد الواحد؛ فقد يتّخذ قراراً في ظرف ما ولكنّه يتّخذ قراراً مختلفاً في ظلّ ظروف أخرى. فالاختلاف في الزمان والظروف قد يستدعي اختلافاً في طبيعة القرار والموقف، بل في بعض الحالات نجد أنّ الظروف والمناسبات قد تستدعي قائداً من نمط جديد ومختلف، بحيث يكون قادراً على التماهي مع الظروف المستجدّة التي تفرض نفسها على موقع القيادة والقرار.
• خطر اختزال موقع القيادة بفرد محدّد
من هنا، ينبغي التأكيد أنّه على الرغم من القداسة التي تحيط بشخصيّة القائد في الرؤية الإسلاميّة، والمحبوبيّة التي يكوّنها الناس في علاقتهم مع قائدهم، إلّا أنّه من الخطر الشديد أن يرتبط الناس بمبادئهم الفكريّة والعقديّة من خلال شخص القائد، فيصبح ولاؤهم للمبادئ مرهوناً به، لا نابعاً من إيمانهم بها؛ لأنّ ذلك يعني أنّ كثيراً منهم سيتراجعون عن المبادئ التي كانوا يحاربون من أجلها بعد غياب القائد. وخير شاهد على ذلك نموذج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم قائداً بكلّ ما للكلمة من معنى، وقد امتلك قلوب الناس وعقولهم، واستطاع في فترة زمنيّة قياسيّة أن ينقل الأمّة والمجتمع إلى مستوى مختلف تماماً عن حاله في الجاهليّة؛ ولذلك، فإنّ إيمان كثير من الناس بمبادئ الإسلام يرتبط بشخص النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لما له من عظيم الأثر في قلوبهم، وهذا كان يشكّل خطراً كبيراً على مستقبل الدعوة، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ (آل عمران: 144).
لذا، لا ينبغي أن يتوهّم أحد أنّ الرؤية الإسلاميّة مرتهَنة للقائد الفرد، فكثير من الحركات الدينيّة وغير الدينيّة تموت بموت قائدها، بحيث تكون بعض الحركات والثورات في أوج عطائها ونجاحها في حياة مؤسّسها وقائدها، فإذا مات تفكّكت هذه الثورة واضمحلّت. ولكنّنا نجد أنّ الإسلام استمرّ بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بحيث حرص أئمّة أهل البيت عليهم السلام على حفظ الشريعة وصيانتها، بل كان لوجودهم ضرورة اتساع تطبيق الشريعة عند متغيرات الزمان، ولهذا كان امتدادهم ضروريّاً.
• نماذج معاصرة
كذلك، نجد أنّ الثورة الإسلاميّة في إيران لم تنته برحيل مؤسّسها؛ لأنّها تستمدّ قوّتها من قوّة أهدافها الإسلاميّة المقدّسة، والحال نفسه في النموذج الذي قدّمه حزب الله في لبنان، لا بوصفه حركة مقاومة فحسب، بل نموذجاً فكريّاً وثوريّاً وثقافيّاً ودينيّاً؛ فهذا التنظيم لم يكن يوماً من الأيّام مرتبطاً بشخص محدّد. وقد اختبرت المقاومة الإسلاميّة في لبنان اغتيال قادتها مرّات عدّة في مسيرتها الجهاديّة، واستشهادهم بدءاً بالقيادة الروحيّة للشهيد الشيخ راغب حرب، ثم سيّد شهداء المقاومة السيّد عباس الموسويّ الذي كان قائداً ومربيّاً، وأخيراً الشهيدين سماحة السيّد حسن نصر الله وسماحة السيّد هاشم صفيّ الدين، ولكنّ هذه المقاومة لم تتراجع يوماً عن أهدافها، بل ازدادت قوّةً ومتانةً وقناعةً بضرورة مقاومة المحتلّ وردعه، وهذا ما يتمثّل اليوم بقيادة سماحة الشيخ نعيم قاسم (حفظه الله). وقد قال الشهيد السيّد عبّاس الموسويّ (رضوان الله عليه) في أحد خطاباته: «اقتلونا فإنّ شعبنا سيعي أكثر فأكثر».
• الثقة بالقائد
انطلاقاً ممّا تقدّم، فإنّ العنصر الأهمّ في شخصيّة القائد أن يتمكّن من اتّخاذ القرار المناسب وفق المعطيات التي تكون بين يديه، وأن يراعي في حساباته مختلف الجوانب والمتقلِّبات والظروف الميدانيّة المستجدّة. كما يجب التأكيد أنّنا في كثير من الأحيان قد لا ندرك بعض المصالح والمعطيات التي قد تتوافر بين يدَي القائد عند اتّخاذه لقرار ما. وكثير من التحليلات التي قد نسمعها من هنا وهناك في بعض الظروف والحالات لا تستند إلى وقائع ومعطيات ومعلومات دقيقة، فيكون التحليل مجرّد أوهام. أمّا التحليل الصحيح، فهو ذاك المستند إلى المعطيات، وهذا ما قد لا يتوافر لدى أغلب الناس.
من هنا، تبرز أهميّة الثقة بالقائد، وضرورة الالتزام بالتكليف وعدم مخالفته، لأنّ عدم العمل بذلك سيجرّ المجتمع إلى الفوضى والفساد، وسيؤدّي إلى إضعاف قدرته على العطاء، ويمنعه من تحقيق الأهداف. ولا شكّ في أنّه ليس مرادنا في هذا الإطار أن يكون التزامنا بالتكليف وبقرار القيادة التزاماً أعمى، بل التزام البصير الواعي الناشئ من ثقته بقائده الذي يتمتّع بالحكمة والحنكة وحسن التدبير، فضلاً عن إحاطته بكثير من التفاصيل والمعطيات التي قد نغفل عنها.
لذا، فإنّ على المجتمع الإسلاميّ أن يتمتّع بحسّ المسؤوليّة المطلوب لكي يكون عوناً للقائد في حفظ المسيرة وقيادة المجتمع نحو تحقيق الأهداف؛ وذلك لا يكون إلّا من خلال تمتين أواصر العلاقة مع القائد، والثقة به.
1. نهج البلاغة، جمع الشريف الرضي، الخطبة 40.
2. راجع: الصدر، محمّد باقر، أهل البيت عليهم السلام تنوّع أدوار ووحدة هدف.