مناسبة | من رُزق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حُبّها أذكار | شهر رمضان المبارك آخر الكلام | الأوراق المغلّفة الافتتاحية | ما أفضل أعمال شهر رمضان؟ القرآنُ مشروع حياة القرآن يربّي أبناءنا -سورة النور نموذجاً- القرآن يرشدُ عقولنا القرآن يهذّب سلوكنا القرآن يُعلمنا التوحيد مع الخامنئي | كنوز البعثة النبويّة*

شهيد الدفاع عن المقدّسات محمّد حسين عاصي

نسرين إدريس قازان


اسم الأمّ: نوال قهوجي.

محلّ الولادة وتاريخها: أنصار 24/12/1994م.

الوضع الاجتماعيّ: عازب.

مكان الاستشهاد وتاريخه: دير السلمان- الغوطة، 13/10/2013م.

تسعة عشر ربيعاً وسبع سنوات؛ رقمان حفرتهما أمّه في قلبها كعمرٍ لابنها، وقد اختزلت ثلاثة أشهر من عمره في رحمها؛ فمحمّد، الولد السادس الذي انضمّ إلى أربعة فتية وفتاة، تمرّد على الزمن، وأبى إلّا أن يخرج إلى هذا العالم على حين غفلة، في شهر حملها السادس.

* وأيّ حياة؟
بقي محمّد مدّةً من الزمن في حضانة المستشفى، حتى كُتبتْ له الحياة، وأيّ حياة؟! حياة عابقة بحبّ محمّد وآل محمّد، ولكنّها مضت كالحلم. كان محمّد الطفل الصغير المدلّل، الذي يهتمّ به والداه وإخوته، ويسعون جميعاً إلى تأمين طلباته. وقد ظهرت معالم روحه الجميلة على قسمات وجهه، فكان مقرّباً إلى قلوب الجميع، لا يصاحبه أحد من الرفاق إلّا وأحبّه، ولا يجلس معه كبير إلّا وأُعجب بشخصيّته.

في أزقّة بلدة أنصار الجنوبيّة، وحقولها، وساحتها، ومسجدها، كبر محمّد حتّى بلغ الثالثة عشرة من عمره، فانتقلت العائلة إلى منطقة المصيطبة في بيروت، حيث التحق مباشرةً بفوج مصعب بن عمير في كشّافة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، واختار أن يبدأ بالعمل في مهنة الألمينيوم، فقسّم وقته بين العمل والكشّافة.

كان محمّد شفّاف القلب والروح، كريماً ومعطاءً، يفيض بالعاطفة والحبّ على من حوله، فلمع نجمه في الكشّافة، وأحبّه كلّ من في الفوج. أمّا رفاق الحيّ، فقد حرص على اصطحاب من لم يكن يصلّي منهم إلى المسجد وتعليمه الصلاة، وعمل على تغييره تغييراً جوهريّاً.

* راضٍ وقنوع
في المنزل، كان محمّد نِعم المساعد لوالديه، وخصوصاً لأمّه. وعندما كانت تجتمع العائلة، يفيض عليهم بروحه المرحة، ونكاته الجميلة، ويطوف حولهم يخدمهم، ليس لأنّ صغير القوم خادمهم، بل لأنّه كان يحبّ الخدمة والسعي في قضاء حوائج الآخرين. وقد تميّز بالرضى والقناعة؛ فرضيَ بالقليل وإن توفّر له الكثير، واكتفى بسدّ حاجته من لباس وطعام، حتّى زهد في كلّ شيء.

* الاستعداد لمعركة أكبر
التحق محمّد بدورة المقاتل، التي كانت فاتحة عهد جهاده، فكشفت غيبته الأولى عن عمق الفراغ الذي تركه في المنزل. ودورة بعد أخرى، كانت عودته إلى البيت بمثابة استراحة المحارب الذي يستعدّ لمعركة أكبر. وكان كلّما حان وقت التحاقه بدورة، حمل معه حقيبةً كبيرةً فيها الكثير من المقرمشات لرفاقه؛ فقد عُرف بسخائه وكرمه، وبسط يده، وكان يحبُّ أن يشارك رفاقه في كلّ شيء. وقد تزامن إنهاؤه لدورة القوّات الخاصّة مع بدء الأحداث في سوريا، فالتحق مباشرةً بالجبهة، وملامح وجهه الطفوليّة لم تنحتها الرجولة بعد.

أمّا والداه، فلم يكن غيابه سهلاً على قلبيهما، وهوّن ما نزل بهما أنّه في مكانٍ يشبه روحه الصافية، يأمن به من شرائك الدنيا، وهما يدركان جيّداً أنّه يستحيل على محمّد أن ينأى بنفسه عن العمل الجهاديّ، وهو الذي لوّن أيّامه، منذ طفولته، بألوان المقاومة.

* حصار مطبق
بعزمٍ حيدريّ وشجاعة عبّاسيّة، خاض محمّد مع رفاقه في المقاومة مواجهات قاسية ضدّ التكفيريّين، إلى أن فُرز إلى الغوطة الشرقيّة، في قرية دير سلمان.

تمركز المجاهدون هناك. وفي ليلة ظلماء، دخل التكفيريّون الغوطة بأعداد كبيرة، وسيطروا عليها، فأُحكم الخناق على المجاهدين، وحوصروا من كلّ الجهات، فصمد كلٌّ في مكانه، فيما استطاع القلّة منهم الخروج من هناك بتدبير إلهيّ. أمّا محمّد، فقد ثبت مع رفاقه، واستمرّوا يقاتلون لأيّام، حتّى نفد الزاد، وشحّ الماء، فلم يعد أمامهم إلّا سبيل واحد: القتال حتّى الاستشهاد!

كلّما مضى يوم، ارتقى شهيد، ونقص عدد الرفاق، وشحّ الطعام والماء، وشارفت الذخيرة على الانتهاء. أمّا محمّد ومن معه، فعلى الرغم من أنّهم كانوا يقاتلون بعزيمة أوهنها التعب والجوع، إلّا أنّهم صمدوا ولم يستسلموا. وفي اليوم التاسع، ازدادت شدّة الحصار، وأصبحت الأمور أكثر سوءاً وتعقيداً.

* إنّه الوداع
كانت أمّه تصلّي صلاة الصبح لمّا رنّ هاتف أحد أبنائها، فأسرع ليجيب عارفاً أنّ المتّصل هو محمّد. سلّم محمّد عليه وسأله عن أحواله وأخبار الجميع بصوتٍ ضعيف متقطّع، وأبلغه أنّهم محاصرون وأنّه سيقتحم الموت بالموت بين لحظةٍ وأخرى. ثمّ طلب محادثة أمّه ليشكو إليها جوعه وعطشه، فهوّنت ما نزل عليه بذكر الله. ودّعها، وأبلغها أنّه سيلاقي وجه الله القدير بعد قليل، طالباً منها أن تصبر وتقتدي بالسيّدة زينب i، وأن لا تنتظر عودة جثمانه. كان وقع كلامه صعباً على قلبها، فهدّأت من روعه، وذكّرت نفسها أنّها نذرته لأبي الفضل العبّاس عليه السلام، وأنّه ربّما قد آن أوان إيفاء النذر عند أعتاب العقيلةi، فراحت تصبّره وتواسيه، وتخفّف من غربته بدعائها له.

* سبع سنوات من الفراق
كان ذلك الاتّصال الأخير بينهما، وانقطعت أخباره من بعده، فعرفت أنّ ابنها أصبح شهيداً بين يدي المولى أبي الفضل عليه السلام؛ إذ قّدر له أن يختم حياته بوسام الشهادة وهو في التاسعة عشرة من عمره. وقد فُقد أثره لسبع سنوات؛ فلا جثمان يوارى في الثرى.

بعد سبع سنوات من الانتظار المضني، ردّه الله إلى أمّه كي تقرّ عينها، فأصبح ضريحه ملجأ الوالدين والإخوة، يلوذون به للتخفيف من لوعة الاشتياق والفراق.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع