نور روح الله: سـورة التوحيـد: بشارة آخر الزمـان مع إمام زماننا: القضـاء فـي المدينـة المهدويّـة (*) كيف نربّي جيلاً ولائيّاً؟ من ولايتهم عليهم السلام: التوسّل بهم من ولايتهم عليهم السلام: اتّباعهم الجيوش الإلكترونيّة.. ساحة حربٍ من نوعٍ آخر حول العالم آخر الكلام: يكفي ظلّه مع الإمام الخامنئي: الجهاد في حياة الإمام السجاد عليه السلام مع إمام زماننا: كمال العقل في الحكومـة المهــدويّة (*)

تسابيح جراح: تلك الرصاصة!


لقاء مع الجريح المجاهد علي عبد الله جابر (علي الأكبر)
حنان الموسويّ


سبعة أيّامٍ هي المدة المحدّدة لفكّ طوق الأسر عن "حلب". كانت النيران تدكّ أرجاء المدينة دكّاً. توزّعنا مجموعات وفرقاً، وانتشرنا في مباني منطقة "المحيصنة" التي طهّرها المجاهدون قبلاً لتثبيت إسقاطها. تمركزنا في شقّةٍ، ورحنا نصنع الدشم فيها، فنوافذها كبيرة وكثيرة. شاخ المساء وصارت الظلمات تؤرجحنا، كلّ منا اختار زاويةً وتموضع فيها. عاجلني قنّاص بطلقةٍ أصابت عنقي. انحنى الرفاق جميعاً، وخُيّل إليهم أنّي انحنيتُ مثلهم؛ لذلك اعتراني السكوت، إلّا أنّ النزف أعياني، فاتّكأت على سلاحي صامتاً مستكيناً!

نشأة مختلفة
لم تكن نشأتي كما كلّ أترابي؛ فقد رحل أبي منذ أن بَرعمت سنيني، ووجدتُ أمّي ترعاني وإخوتي بفيض الحنوّ، وتتابع شؤوننا عن كثب، متقنةً دور الأب والأمّ في آن؛ لذا، اصطحبتني صغيراً إلى المسجد، حيث انتسبتُ إلى كشّافة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في السابعة من عمري.

كنت الأمين الإعلاميّ لفترة. وعندما صرتُ آمر فريقٍ، خضعتُ لدورة عام 2013م، ثمّ لدورة خاصّة، أهّلتني لأصبح رأس الحربة في الهجوم ضمن التشكيلات التعبويّة.

عشق تخطّى المحظور
في أحد الأيّام، وصلت رسالة مفادها أنّ ثمّة مهمّةً عسكريّةً ملحّة، فاستأذنتُ صاحب العمل الذي كنتُ أزاوله للانضمام إلى صفوف المجاهدين، وانطلقت. وصلنا إلى نقطة تجمّع المقاتلين في "جوسيه"، ومنها انطلقنا إلى "حلب". كنّا في منطقة "المحيصنة"، المدينة بأكملها محاصرة، وقد وجب فكّ الحصار. انسكبت القذائف علينا كالسيل. مجموعتنا قُسِمت مناصفة، خمسة مجاهدين انضمّوا إلى الفريق السوريّ، وخمسة آخرين انضمّوا إلى الإخوة العراقيّين. أخذنا مواقعنا في مبانٍ، وتقرّر الهجوم بعد ثلاثة أيّام، ولكنّني لم أوفّق للمشاركة فيه!

ابتسامةٌ وجرح
تمركزنا في شقّةٍ لها نوافذ كبيرة وعديدة، بعضها مكسورٌ ومهشّم بسبب القذائف. قمنا بتحصين المكان وتدشيمه، إلى أن أطلق القنّاص طلقةً أصابت الحائط، فتوارينا عن الأنظار قليلاً ، ثمّ عاودنا التدشيم، إلّا أنّ ثغرة في النافذة لم نستطع رتقها. لم يكن وقت حراستي ليلاً، كما أنّ الرؤية انعدمت. سترتي السوداء زادت من فعل التّخفّي، وكان سلاحي مستقراً على الحائط. بعد قليل، أحسستُ بحرارة طلقةٍ فرت رقبتي لجهة اليسار، لكنّي لم أنبس ببنت شفّة. كنتُ في مرمى نيران القنّاص! انحنى الجميع. وعندما انحنيتُ، ظنّوا أنّي شاركتهم فعلهم، حتّى أخبرتهم بإصابتي. جاء صديقي المسعف، وأسعفني.

ذاكرتي تعود بي إلى ذكريات ما قبل وقوعي أرضاً وبعده، ولكنّ محاولتي لتذكّر كيفيّة الوقوع تبوء بالفشل، فتلك الضعيفة تخونني! صدى صوت المسعف بضرورة محافظتي على وعيي تردّد في مسمعي، لكنّ ثقل الجبال سكن جسدي. قمت ببالغ المجهود لتحريك يدي من مكانها دون جدوى، فالخدر اجتاح جميع أطرافي. حين همّ المسعفون بنقلي إلى الإسعاف، أمسكوا بكتفيّ وسحبوني، لكنّني لم أستطع تحمّل الألم والنزف. وطلبتُ منهم التوقّف، فدمي كان كنافورة يفور من العنق ويدخل في عيوني وأنفي وفمي، تذوب حشاشتي معه كلّما سال، ويبقى الموت أثقل ما في الأمر. غالبتُ صوتي ليلتفت المسعف إلى جرح ظهري، قبل أن يضعوني على دثارٍ وينقلوني إلى المشفى.

ما بين ضفّتي الحياة والموت
كان الأمر صعباً جدّاً، لا ضوء يشقّ الغيب ليُضاء الطريق. أشباح المباني المدمّرة والمسلّحون المنتشرون فيها يعرقلون المسير أكثر. ربّما كان لنبض أفكاري صوتٌ وصل أسماع من حولي، فتهامس السائرون قربي أن أطوي الخوف والجزع، فالسيّدة الزهراء عليها السلام حاضرة معي، كحارسة تزور الأرواح ماسحةً عنها الحزن، وفي حال الشهادة، سأغفو في أحضان فردوسها.

تحضرني كلّ الأحداث التي سبقت وصولي إلى المشفى الميدانيّ، لكنّني أُغمي عليّ حين وصلت. خضعتُ لعمليّة جراحيّة وضمّدت جروحي، وبعدها نُقِلت في الحوّامة إلى مطار دمشق، ومنه إلى مستشفى الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم في بيروت عبر الحدود. عند نقطة الحدود اللبنانيّة السوريّة، قام طبيبٌ بفحصي، سألني أسئلة عدّة وطلب منّي تحريك قدميّ، وحين لم أستطع ذلك، سألني عن إحساسي بأطرافي، فأجبته أنّي لا أشعر بها، لأنّني ما كنت أشعر سوى برأسي فقط! أحسستُ بغصّته. حاول أن يمسك بقاياي بكلماته العذبة والمطمئنة، وتمّ نقلي إلى بيروت.

ردّة الفعل
أبلغ المعنيّون ابن خالي بإصابتي، وهو بدوره أخبر أهلي. خبر استشهاد المجاهد علي الطويل كان منتشراً، وكذلك سرى خبر إصابتي بين الناس وفي الحيّ الذي أسكن فيه.

بقيتُ في المشفى قرابة الشهرين، قضيتُ عشرين يوماً منها في غرفة العناية في حالة خطرة، بعدها خضعتُ للعلاج. لم أعِ ردّة فعل والدتي، لكنّ عطفها ورودٌ حبلى تغزل الحبّ لابن روحها، واليقين أنّ ألوان الألم بكلّ أطيافه اجتاحتها. لا علم يطوف بي سوى كلماتٍ انهمرت على جوارحي فضمّدت جروحي شيئاً فشيئاً ببركة دعائها. كاهل قلبها كان أوهن من حمل هذا الأسى، خصوصاً حين أخبرها الأطبّاء أنّ أمل استعادة قدرتي على السير ضئيل، فلوحيد أمّه في قلبها عشقٌ عجيب الفقه! صارت تقاتل الوقت علّ معجزة تتحقّق فأُشفى، إلّا أنّ أعصابي التي قُطعت وأيبسها الشلل لن تسري فيها الحياة، وتبقى إرادة الله وعظمته هي الأساس.

علاجٌ وأمل
بعد خروجي من المشفى، تكفّلت مؤسّسة الجرحى بمساعدتي وعلاجي. خضعتُ للتمرين والتدريب، حتّى أصبح بمقدوري الاعتماد على نفسي في كثير من الأمور الحياتيّة. ما زلت حتّى اليوم أتلقّى علاجات وتأهيلات. درستُ BT3 محاسبة ونجحت، كما أنّني درستُ TS2 في اختصاص الإدارة والتسويق، وأهفو لدراسة اللغة الإنكليزيّة في الجامعة اللبنانيّة. لم يغتَل الشلل حلمي، ولن يثنيَني عن السموِّ بنفسي علميّاً وأخلاقيّاً ونفسيّاً.

أشكر العاملين في مؤسسة الجرحى على كلّ ما قدموه لي؛ تكفّلهم بكلّ أمور حياتي وتأمين احتياجاتي كلّها، واهتمامهم بي وبعائلتي، وتقديم كلّ الخدمات التي تجعل الحياة أفضل، كلّ ذلك محطّ تقديرٍ واحترام وإعجاب، فوجودهم إلى جانبي لم يشعرني بالعجز يوماً.

دعاء واستجابة
بعد الإصابة صارت علاقتي بربّي أمتن؛ فعدم قدرتي على السير، وعدم قيامي بكلّ ما أريد كما قبلاً، فيهما من الحكمة ما يُدهش العقل. أوقات الفراغ التي أنعمُ بها هي فرصة لتجلّي العشق مع كلّ نَفَسٍ أتنفّسه كي أكون من الله أقرب. أثناء وجودي في الجبهة، كانت القذائف تتساقط علينا كالمطر المنهمر. الطريق الموحش بين المباني لم يكسر رهبته سوى أنّي استشعرتُ وجود أهل البيت عليهم السلام معنا وبيننا، فرويت ضيق دامعتي بقول "اللهم ارزقني الشهادة في سبيلك". تقبّل ربّي دعائي، ورزقني صفة الشهيد الحيّ، لأواسي الإمام الحسين عليه السلام وأبا الفضل عليه السلام بجراحي، وأقدّم القليل في سبيل الدفاع عن حرمة السيّدة زينب عليها السلام ومقامها.

الصبر على ألم الجرح من أعظم الدروس التي تعلّمتها. سأبقى على عهدي مع إمام الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف، ففي كلّ صباح أجدّد له العهد والقسم أن أكون خادماً له، وأدعو الله بتعجيل فرجه، وأن يجعلني من أنصاره والمستشهدين بين يديه والمدافعين عنه، وسأسعى إلى خدمة الناس ما استطعت، فهذا العمل جزء من حياتي، وأدعو الله أن يتقبّل منّي.

 

الاسم الجهاديّ: عليّ الأكبر.

تاريخ الولادة: 23/10/1997م.

مكان الإصابة وتاريخها: حلب 3/10/2016م.

نوع الإصابة: شلل نصفيّ.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع