مع الإمام الخامنئيّ: تقدّم النساء ببركة الزهراء (*) مع إمام زماننا: هل يعيش الإنسان قــرونــاً؟ (1)(*) أخلاقنا: في الكفر عذاب النفس(*) الزهراء عليها السلام جمعت خواص الأنبياء عليهم السلام المهندس: "القـائد الرساليّ" سليمانيّ: "رسولٌ إلى سامرّاء" من نهج الرسول: رجال يحبهم الله فقه الولي: من أحكام الرهن آلام المفاصل: الأسباب وطرق العلاج جـهـاد التبـيـيـن في تراث المعصومين عليهم السلام

صفات عباد الرحمن: يبيتون سُجَّداً وقِيَاماً

آية الله الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي

 



﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا*وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (الفرقان:63ـ 64). تحدثنا في المقال السابق حول القسم الأول من الآية الشريفة، وفيما يلي نكمل البحث حول القسم الثاني، والذي يشير إلى صفة أخرى من صفات عباد الرحمن فهم ﴿يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا. وقد أشرنا فيما مضى إلى أن العديد من الآيات القرآنية الشريفة يتحدث حول الصالحين والمؤمنين والمتقين... وتذكر لهم صفات قريبة من بعضها بعضاً من جملتها اهتمامهم بالصلاة. أما في الآية الشريفة التي بين أيدينا، فلم تتحدث حول الصلاة بل حول مفهوم آخر يحتاج إلى مزيد من التأمل والتدبر، لا بل البحث فيه صعب للغاية. هنا تشير الآية إلى الذين يقضون الليل يعبدون الله فهم في حالة سجود وقيام لربهم.

* وصلُ الليل بالنهار
قد نشعر بالتعب إذا ما طال سجودنا في الصلاة اليومية الواجبة مع أن سجودنا غير طويل في جميع الصلوات، ومع ذلك يتحدث القرآن الكريم عن أن عباد الرحمــن يبيتون لربهم سجداً وقياماً. و"بات" في الآية يُعنى به وصل الليل بالنهار. وإذا اعتبرنا أن الآية لا تتحدث عن وصل كل الليل بالنهار، فإنها تتحدث على الأقل عن وصل جزء من الليل بالنهار، وهذا لا يتحقق في نصف ساعة أو ساعة أو ما شابه ذلك، بل أكثر من ذلك.
هنا نرى بعض آيات سور المزَّمِّل التي تخاطب الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ*قُمِ اللَّيْلَ إِلاَ قَلِيلاً*نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً*أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً (المزمل: 1- 4). هنا يجب أن نتوقف عند هذه الآيات الشريفة لنفكر في أحوالنا.

* حب العظماء للصلاة
سمعت عن أحد العظماء أنه في شبابه وعندما كان يصلي ركعتين مستحبتين في مسجد السهلة عند مقام إبراهيم عليه السلام، كان يقرأ في الركعة الأولى سورة البقرة وفي الركعة الثانية سورة آل عمران. ويحكى عن الشيخ الأنصاري "رحمه الله" أنه عندما عاد من الدرس إلى المنزل، والمعروف أن فصل الصيف في النجف شديد الحر، يقال إنه أحس بالعطش فطلب الماء ليشرب وكان من المفترض استخراج الماء من البئر الموجودة خارج الدار (حيث يكون الماء بارداً) وكان الإتيان بالماء يتطلب وقتاً معيناً، في هذه الأثناء وقف الشيخ لأداء صلاة مستحبة ريثما يحضر الماء، ولكنه ما انتهى إلا بعد فترة طويلة بحيث إنه وجد الماء الذي أحضروه حاراً لا يمكن استعماله للشرب ومع ذلك شرب وشكر الله تعالى. هؤلاء هم عباد الرحمــن الذين سمعوا عن الرسول صلى الله عليه وآله قوله: "جعل قرة عيني في الصلاة" (1). أظن أن مجتمعاتنا الإسلامية المعاصرة تشعر بالغربة عن الآيات الشريفة المتقدمة، لا بل لا تفهمها ولا تدرك حقيقة معانيها. ما هو وجه الشبه بين السلوك المطلوب منّا في الآيات المتقدمة وبين ما يقوم به العظماء؟

* الإخلاص التام في الصلاة
تتضمن الآية الشريفة مسألة لطيفة ينبغي الإشارة إليها وهي أنها لا تقول: وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لأنفسهم سُجَّداً وَقِيَاماً، بل تشير إلى أنهم يقومون بذلك ﴿لِرَبِّهِمْ. هنا، ينبغي أن لا يقوم الإنسان بذلك لأجل الدنيا أو لأهداف أخرى ولا ينبغي أن يكون ذلك لأجل الثواب الأخروي، بل ينبغي أن يكون لأجل الله تعالى، فالذي يزور معشوقه ليأنس به لا يطلب الأجر منه، فهو يفتخر بتوفيق الحضور بين يديه، فيشكر الله تعالى على ذلك. وهناك قصص عجيبة عن صلاة العظماء تستحق المطالعة. ينقل أستاذنا آية الله بهجت "رحمه الله" عن أستاذه المرحوم الشيخ محمد حسين الأصفهاني "رحمه الله" مسائل عديدة وهامة. فالذي يطالع كتب الشيخ بالأخص حاشيته على الكفاية يظن أنه يمضي 24 ساعة في اليوم مشغولاً بالدرس والبحث والتحقيق، والذي ينظر إلى عبادة الشيخ أيضاً يظن أنه يمضي الوقت نفسه في العبادة، فقد كان ملتزماً كل يوم بقراءة زيارة عاشوراء وصلاة جعفر الطيار، بالإضافة إلى قراءة القرآن وغيرها. وعندما كان ينام كانت الوسادة تمتلىء من دموع عينيه، فطوبى له.

البقاء مع الله
المسألة الهامة هنا أنه لم يأتِ بهذه الأعمال لأجل الدنيا، بل لأنه أراد البقاء مع ربه في جميع أوقاته. والقصص التي تتحدث حول صلاة وعبادة وذكر ودرس العظماء كثيرة جداً ولكن الأمر الهام هنا، هو أين نحن من أولئك العظماء الذين كانوا يمضون أغلب أوقاتهم مشغولين بتلك الأمور. أما اليوم فأغلب الناس والشباب نراهم بعيدين بالكامل عن هذه الأجواء، فيجلسون حتى ساعة متأخرة من الليل لمشاهدة التلفاز والأفلام.... لا بأس بذكر هذه الأمور، لنتوقف عندها ونتساءل حول موقعنا منها، فهل فكَّرنا فيها، أم أننا نعتبرها أموراً جديدة لم نسمع بها من قبل؟ هل فكَّرنا يوماً في قوله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً (مريم: 58)؟ لذلك أنصح بالتفكير والتأمل في هذه الآيات الشريفة، وأن نعمد إلى مقارنة أوضاعنا بها. علينا أن نتوقف لنعلم ماذا أراد الله تعالى منا، وكيف كان عباد الله وإلى أين وصلوا؟ هل السابقون قد حصلوا على ما أرادوا ففازوا، أم نحن الفائزون بما نعمل؟


(1) الكافي، الشيخ الكليني، ج 5، ص 321.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع