مع الإمام الخامنئيّ: تقدّم النساء ببركة الزهراء (*) مع إمام زماننا: هل يعيش الإنسان قــرونــاً؟ (1)(*) أخلاقنا: في الكفر عذاب النفس(*) الزهراء عليها السلام جمعت خواص الأنبياء عليهم السلام المهندس: "القـائد الرساليّ" سليمانيّ: "رسولٌ إلى سامرّاء" من نهج الرسول: رجال يحبهم الله فقه الولي: من أحكام الرهن آلام المفاصل: الأسباب وطرق العلاج جـهـاد التبـيـيـن في تراث المعصومين عليهم السلام

صفات عباد الرحمن يمشون هوناً ويقولون سلاماً

آية الله الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي

 



﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَماً (الفرقان: 63). تحدّثنا في العدد السابق حول عباد الرحمان، وذكرنا على مَن تُطلق كلمة عبد وعباد. وفيما يلي نتعرض لذكر بعض صفات هؤلاء العباد، عباد الرحمان ونبدأ بذكر أبرز صفاتهم وهي صفة التواضع.

* التواضع
إن طريق تكامل الإنسان يجري من خلال العبودية لله، حيث يوقن الشخص أنّه لا يمتلك أي شيء من نفسه وأنّ كل ما لديه ملك لله تعالى. ويتطلب هذا الأمر أن ينفي الشخص الاستقلال عن نفسه، فلا يقول: أرغب وأريد وأرى... لأن ذلك لا يتناسب مع العبودية، ولا يصل الإنسان إلى هذه المرحلة إلا بعد تمرينٍ، يجعل إرادته تفنى في إرادة الله. لذا، على الشخص أن يفكِّر ملياً فيما يريد الله تعالى منه ويبدأ السير في أيام حياته. ولهذا الأمر السير إلى الله مراحل أولها عدم ارتكاب المعاصي. فبعد أن تفنى إرادة الإنسان في الله، يصل إلى مرحلة وجوب إرجاع ما يملك إلى صاحبه، لأن رداء الكبرياء هو لله وحده، ومن أراد مشاركة الله فيه فقد ادعى الألوهية. وهذا ينافي العبودية وينافي المسير التكاملي للإنسان. لذلك على الإنسان أن يبدأ بإبعاد "التكبر" عن نفسه. وأما الشيء الذي ينبغي أن يمتلكه الإنسان ليحل مكان التكبر، فهو التواضع. والتواضع هو أن يوقن الإنسان ويعمل على أساس أنه لا يمتلك شيئاً من نفسه في مقابل عظمة الكبرياء الإلهي. الكل لا يمتلك شيئاً من نفسه أمام تلك العظمة، حتى الأنبياء والأولياء عليهم السلام كانوا كذلك. فكل ما عند الإنسان هو من الله.

* التواضع الممدوح والتواضع المذموم
عندما نكون في مقام التواضع ونفي التكبر، فإننا نشير بذلك إلى عظمة الخالق ووضاعة أنفسنا، فالهدف إظهار العظمة الإلهية. ولكن ما العمل إذا كان التواضع لا يتفق، في بعض الأوقات، مع هذا الهدف؟ مثال ذلك، أن يتواضع الإنسان أمام عدو الله. فهذا يعني إظهار عظمة عدو الله. فالاعتراف بعظمة الله لا يتفق مع التواضع أمام عدو الله. وهذا على عكس التواضع أمام المؤمن، لأن التواضع أمام المؤمن هو من جهة إيمانه وهذا يعني التواضع أمام الله تعالى.

* العبودية: سبيل القرب الربوبي
يتحدث القرآن الكريم بشكل صريح عن العبادة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَ لِيَعْبُدُونِ (الذاريات: 56). حيث لم نتمكن من أداء حق هذه الآية التي اسْتعملت أداة الحصر لتوضيح أن الهدف من خلق الجن والإنس هو العبادة. وهذا يعني أن طريق تكامل كل موجود مختار عبارة عن العبودية لله تعالى، ولا وجود لأي طريق آخر. فالإنسان موجود يختار طريق استقلاله بإرادته، ليصل إلى محل القرب من الله تعالى، والعبودية هي الطريق الوحيد للوصول إلى ذاك المقام.

المرور الكريم عن اللغو
الخاصية الثانية لعباد الرحمان أنهم يمرون على اللغو بشكل كريم: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً(الفرقان: 72) حيث بدأت الآية الشريفة توضيح فلاح المؤمنين ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ثم بيّنت أن من صفاتهم ومميزاتهم المرور الكريم باللغو. واللغو عمل لا يحمل أي نتيجة تؤدي إلى سعادة وكمال الإنسان، كالكثير من المباحات التي لا تؤدي إلى أي نتيجة على هذا المستوى، وهذا يعني أن اللغو هو كل عمل لا فائدة منه وذلك أعمّ من كونه يحمل ضرراً أو لا يحمل وبهذا المعنى يصبح اللغو مشتملاً على المباحات والمحرمات معاً. طبعاً المؤمنون ليسوا من أهل اللغو، ولكنهم قد يقعون فيه نتيجة ظروف الحياة الاجتماعية. هنا تتحدث الآيات الشريفة: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ و﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً. فهؤلاء لا يمارسون اللغو، بل وصلوا إليه دون إرادة منهم. الموقف في هذه الحالة هو ضرورة أن يكون المؤمن مصداق قوله تعالى ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً. وأما الذين يرغبون بالمرور باللغو مرور الكرام، فينبغي لهم السعي بدايةً لتحصيل ملكة "الحلم" ليتمكنوا بذلك من ضبط تصرفاتهم والسيطرة على غضبهم.

* عندما يكون السكوت جهلاً!
تشير الآيات الشريفة إلى أنَّ عباد الرحمان يمتلكون صفات وخصائص معينة من أبرزها أنهم أصحاب حلم واطمئنان ووقار وهو ما يجعلهم يلتزمون الصمت والتواضع. ويتصور بعض الناس أنَّ التواضع ممدوحٌ في كلِّ مكان، وأن السكوت مطلوب في كل الأزمنة والأمكنة أيضاً. طبعاً الأمر ليس كذلك، لأنَّ المسألة تتعلق بالعبودية، فقد يسكت الشخص في مكان ما وتكون النتيجة تضييع حق من حقوق الله تعالى، لذلك لا ينبغي السكوت في هكذا حالات. وعندما يتمّ التعرّض للعظمة الإلهية، ينبغي عدم السكوت أيضاً، لأن السكوت ينم عن الجهل في هذه الحالة. هنا، يجب إظهار الغضب لأجل الحفاظ على تلك العظمة وذاك الحق الإلهي. عندما تتعرَّض المقدَّسات الإسلامية للإهانات فلا ينبغي السكوت والادعاء بأن "الباطل يموت بموت أهله"، لأن العزة لله فقط وينبغي الحفاظ عليها بكل ما أوتي الإنسان من قوة. فالمرور الكريم باللغو يكون عند تضييع حق من حقوق الشخص، ولا يكون الأمر لغواً عندما يتعرض دين الله وأحكام الدين للخطر والبدع. فمن لا يتحرك أمام البدع ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَعِنُونَ (البقرة: 159). بناءً على ما تقدم فإنّ صفات عباد الرحمان نماذج عن عبودية الله التي تتبلور في حياتهم وتستقر في أرواحهم فتظهر عظمة الله تعالى. فالتواضع من قبل الإنسان هو من ناحية كونه فرداً وليس من ناحية كونه مؤمناً، فلا مجال للسكوت أمام عدم احترام المؤمن أو إهانته. هنا ينبغي الغضب والوقوف إلى جانب الحق، فالمرور الكريم باللغو لا معنى له في هذه الحالة.

* أهمية النية
إنّ كافّة القيم واللّطائف الموجودة في النظام التربوي في الإسلام، هي في الحقيقة من أجل هذه النقاط اللطيفة. هناك علوم عديدة يعتقد الناس أنها متساوية من ناحية القيم، إلا أن القيمة فيها تختلف من واحد لآخر. ومن هذا المنطلق تؤكد الروايات على أن شخصين يدخلان المسجد معاً يؤديان الصلاة بلحن حسن وقراءة صحيحة وأول الوقت ويقفان في الصف الأوّل، إلا أن صلاة أحدهما تقوده إلى الجنة وصلاة الثاني تقوده إلى جهنم. في الظاهر هما متساويان، لكن الفارق في أن نية أحدهما تدور حول الصلاة التي يؤديها لينظر إليه الآخرون فتدخله جهنم، والآخر تدور نيته حول أداء صلاة تعبّر عن حال التوبة والانكسار والتعاهد مع الله تعالى وعدم اقتراف المعاصي، فتدخله الجنة (1). من هنا فالنية تحتل مرتبة هامة على مستوى القيم في الإسلام. لذا، يجب أن ندرك الدافع للقيام بأي عمل حتى تقودنا نوايانا دائماً إلى المكان السليم.


(1) أصول الكافي، الشيخ الكليني، ج 2، ص 314، ح 6.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع