الأسرة بين هاتفٍ ذكيٍّ وتواصلٍ موهوم لمَ تقاطع أخاك؟ العاطفة سرّ التواصل الأسريّ حتّى لا يتنازع الإخوة في الميراث الأسرة تُصلح أفرادها - في فكر الإمام الخامنئيّ دام ظله أذكار | أذكار لطلب الرزق مع الإمام الخامنئي | سيّدة قمّ المقدّسة نور روح الله | الجهاد مذهب التشيّع‏* كيـف تولّى المهديّ عجل الله تعالى فرجه الإمامة صغيراً؟* أخلاقنا | الصلاة: ميعاد الذاكرين*

صلاة العيد ... دلالات وأبعاد

الشيخ هشام شري


﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
بعد شهر من جوع وعطش يتعرض له الإنسان في النهار امتثالاً لأمر اللّه سبحانه وتعالى، وبعد ليالٍ اعتاد الإنسان على إحيائها بأدعية الافتتاح والسحر... بعد أيام من ترك لذات النهار وغفلات الليل. يقف الإنسان في صباح ذلك اليوم رافعاً يديه تعبيراً عن ترك كل ما في الدنيا مكبراً اللّه سبحانه وتعالى، ليشرع في صلاة العيد. وصلاة العيد هذه ليست إعلان انتهاء من أجواء شهر رمضان المبارك، بل جاءت لتلخص تلك الحالات التي عاشها الإنسان ولتختصر الرسالة التي أرادها اللّه سبحانه وتعالى أن يشعر بها من خلال كل هذا العناء في شهر البركة. فما هي الرسالة التي تحملها صلاة العيد؟


لهذه الصلاة أبعاد ومضامين متعددة على الصعيد التربوي والاجتماعي والسياسي فضلاً عن كونها عبادة تختصر الهدف الذي وجد له الإنسان بل والجن أيضاً "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون". فمن هذه الأبعاد:

* البعد التربوي‏
1- العيد عبادة: إن هذه الصلاة باعتبارها صلاة عيد، تلقي بظلال خاصة على مفهوم العيد في ذهن الإنسان المسلم، فالعيد في المفهوم الإسلامي ليس هو يوم تجاوز الحدود الشرعية والوقوع في وحل المحرمات واتباع أهواء النفس وتفجير الميول الشيطانية، وإنما هو يوم من أيام اللّه سبحانه وتعالى، وفي رواية عن أمير المؤمنين عليه السلام: "إنما هو عيد لمن قبل اللّه صيامه وشكر قيامه وكل يوم لا يُعصَى اللّه فيه فهو يوم عيد".

2- ربط العبادة بالعمل: قد يقع بعض الناس في الوهم فيتصورون أن الإيمان هو في القلب، والواجب هو الصلاة فقط، فقليل من إيمان العقل مع تأدية الصلاة تجعله يتصور أنه أصبح من أهل الجنة! إن صلاة العيد تريد تربيتنا على شي‏ء آخر، فهي تريد أن تربط بين العبادة والعمل، بين الصلاة وتأدية الواجب الشرعي تجاه المجتمع، لذلك على الإنسان أن يدفع زكاة الفطرة قبل أداء الصلاة. وفي رواية أنه سأل أحدهم الإمام الصادق عليه السلام عن الفطرة متى هي: فقال عليه السلام: "قبل الصلاة يوم الفطر"، فإذا صلى فهو يصلي في جوّ قد أدى فيه تكليفه الشرعي تجاه الفقراء والمساكين في المجتمع، لقد أدى واجبه الاجتماعي وصار قادراً الآن على الوقوف أمام ربه متوجهاً إليه بقلب مطمئن ونفس قد أدت ما عليها، وهكذا كل صلاة في حياتنا، علينا أن نتوجه إلى اللّه سبحانه وتعالى فيها وقد أدينا تكليفنا الشرعي المطلوب في جميع الميادين.

3- تربية المسلمين على الوحدة: إن صلاة العيد هي مظهر إسلامي عام يجعل المسلمين شركاء ليس على المستوى النظري فقط بل يتعدى ذلك إلى المستوى العملي والنفسي، فنجد المسلمين جميعاً يخرجون في هذا اليوم والى هذه الصلاة ليعلنوا انتماءهم إلى هذا العيد، بل الكلمات الواردة في دعاء الصلاة التي يكررها الإنسان عدة مرات "الذي جعلته للمسلمين عيدا" تعطي معالم صورة الجسد الواحد للمسلمين، والذي إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء.

* البعد الاجتماعي‏
1- لقاء للمسلمين بجميع أصنافهم: عن الإمام الرضا عليه السلام: "فإن قال: فلمَ جعل يوم الفطر العيد؟ قيل: لأن يكون للمسلمين مجمعا يجتمعون فيه،... فيكون يوم عيد ويوم اجتماع".
2- التواضع: عن أمير المؤمنين عليه السلام: "إذا أصبحت يوم الفطر اغتسل وتطيب وتمشط والبس أنظف ثيابك، وأطعم شيئاً من قبل أن تخرج إلى الجبانة، فإذا أردت الصلاة فأبرز إلى تحت السماء، وقم على الأرض، ولا تقم على غيرها". فلاحظ كيف أنه عليه السلام يشير إلى حالة المسلمين عند خروجهم إلى صلاة العيد "تحت السماء... على الأرض" وورد في بعض الروايات أنه يستحب أن يخرج إلى الصلاة حافي القدمين. وهذا كله من شأنه أن يزيل أي حاجز نفسي يمكن أن يوجد بين أفراد طبقات المجتمع المتفاوتة، ويلقن الطبقات المرفهة درس التواضع، والذي تلخصه كلمة "الحرية" حتى لا يصل الى مرحلة يصبح فيها أسير المال في قفص الحواجز النفسية الموهومة.

* البعد السياسي‏
إن صلاة العيد هي مظهر من مظاهر قوة المسلمين وعزتهم، وبعيداً عن خطبة الصلاة التي يمكنها أن تكون مفصلية، وبعيداً عن الخطوات العملية التي يمكن الاستفادة منها في هكذا تجمع، فإن الحضور هو إعلان وموقف، إعلان عن التزام الإسلام بشكل عملي، وموقف تتجسد فيه وحدة المسلمين وحضورهم في الساحة العملية، وهذا وحده كافٍ ليقضّ مضاجع المستكبرين ويغير المعادلات والحسابات السياسية. وهذا التاريخ يحدثنا عن صلاة العيد التي انطلق إليها الإمام الرضا عليه السلام، وكيف أقلقت الخليفة العباسي المأمون، لمجرد التفاف الناس حول الإمام الرضا عليه السلام، حتى حال بين الإمام وبين تلك الصلاة! فقد ورد أن المأمون بعث إلى الإمام الرضا عليه السلام بالركوب إلى مرو في العيد للصلاة بالناس والخطبة بهم وألح عليه فقال عليه السلام: "إن أعفيتني فهو أحب إلي وإن لم تعفني خرجت كما خرج رسول اللّه صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين"، قال اخرج كما شئت، وأمر أن يبكروا إلى بابه، فوقف الناس والجنود في المواضع ينتظرونه. فلما طلعت الشمس، اغتسل أبو الحسن ولبس ثياباً بيضاً وتطيب طيباً وأخذ بيده عكازة وهو حاف قد شمر سراويله إلى نصف الساق فمشى قليلاً ورفع رأسه إلى السماء وكبر، فلما رآه القواد هكذا تزيوا بزيه، فخيل إلينا أن السماء والأرض تجاوبه وتزعزعت مرو بالبكاء لما رأوه وسمعوا تكبيره، فقال الفضل بن سهل للمأمون: يا أمير المؤمنين إن بلغ الرضا افتتن به الناس وخفنا كلنا على دمائنا! فبعث إليه المأمون: قد كلفناك شططا ولسنا نريد أن يلحقك أذى فارجع، وليصلّ بالناس من كان يصلي بهم على رسمه.

فلاحظ كيف أن مجرد صلاة العيد التي أراد أن يقيمها الإمام الرضا عليه السلام أقلقت المستكبرين وأخافتهم "إن بلغ الرضا افتتن به الناس وخفنا كلّنا على دمائنا".
قال الشاعر البحري في ذلك:

لما طلعت من الصفوف وكبروا

ذكروا بطلعتك النبي فهللوا

نور الهدى يبدو عليك فيظهر

حتى انتهيت إلى المصلى لابسا

للّه لا يزهى ولا يتكبر

ومشيت مشية خاشع متواضع‏

في وسعه لمشى إليك المنبر

ولو أن مشتاقا تكلف غير ما


 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع