آداب وسنن: سبِّح تســبيحَ فاطمـة وصايا الأطهار: يا أبا ذر، قرّة عيني الصلاة مناسبة: الشيخ فضل مخدّر.. رائدُ الثقافة والأدب شهداء استعدّوا للرحيل الوصيّة ميراث الروح مظالم العباد: أنواعها وكيفيّة ردّها "أيتـــام آل محمّـــد" في المأثور عن الإمام العسكريّ عليه السلام الإمـام العسكــريّ عليه السلام في زمن النصر الصامت مع الإمام الخامنئي: رسائل الشهداء(*) نور روح الله: مـن أدب الركـوع والسجود(*)

من معين الولاية: ثقافة الدنيا وثقافة الآخرة

الشيخ محمد توفيق المقداد


لا عمل بلا علم، ولا علم من دون تعلُّم، من هذا المنطلق كان لا بد لكل إنسان ملتزم بالإسلام من أن تكون لديه الإحاطة على الأقل بما يحتاجه من أحكام الإسلام ومفاهيمه حتى يعرف المسلم كيف يتحرك في هذه الحياة الدنيا، فلا يخطى‏ء ولا يزل أو ينحرف عن الأهداف الإلهية على المستوى الشخصي أو الاجتماعي. ولهذا ركّز الإسلام كثيراً على مسألة العلم والتعلم نظراً لأهميتها الاستثنائية والخطيرة معاً، وهذا يدعو إلى السؤال عن طبيعة العلوم المطلوب تحصيلها فهل هي علوم الآخرة أم الدنيا أم علوم الدنيا والآخرة معاً؟

* طلب العلم في القران والحديث‏
حفل القران الكريم والسنة النبوية وكلام الأئمة و بالكثير من النصوص الدّالة على ذلك، ففي القران الكريم ورد ما يلي:
1- ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (الزمر/9).
2- ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (العلق/51).
3- ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ (آل عمران/18).
4- ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات (المجادلة/11).

وأما من السنة الشريفة فقد ورد عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلّم ما يلي:
1- "طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة".
2- "أطلبوا العلم من المهد إلى اللحد".
3- "العلم رأس الخير كله، والجهل رأس الشر كله".
4- "ذنب العالم واحد، وذنب الجاهل ذنبان، العالم يعذَّب على ركوب الذنب، والجاهل يعذَّب على ركوب الذنب وتركه العلم".

وأما ما ورد عن لسان الأئمة المعصومين و فنختار ما يلي:
1- "العلم أول دليل والمعرفة آخر نهاية" أمير المؤمنين عليه السلام.
2- "العلم باللَّه، أفضل العلمين" أمير المؤمنين عليه السلام.
3- "قال أبو ذر "إن قلباً ليس فيه شي‏ء من العلم كالبيت الخراب الذي لا عامر له" الإمام الباقر عليه السلام.
4- "لا كنز أنفع من العلم" أمير المؤمنين عليه السلام.
5- عن أصبغ بن نباية قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: "تعلموا العلم فإن تعلُّمه حسنة،... بالعلم يُطاع اللَّه ويعبد، وبالعلم يُعرف اللَّه ويُوحَّد، وبالعلم توصل الأرحام، وبه يُعَرف الحلال والحرام، والعلم إمام العقل، والعقل تابعه، يلهمه السعداء، ويحرمه الأشقياء".

* العلم بأمور الدنيا والآخرة
والعلم الوارد في كل ما ذكرناه هو العلم العام الذي يشمل العلم بأمور الآخرة وما ينجو به الإنسان عند اللَّه يوم القيامة إذا عمل به طبقاً للنصوص الكثيرة التي تربط ما بين العلم والعمل، والعلم بأمور الدنيا ليعرف الإنسان كيف يستغل ما في الأرض مما خلقه اللَّه لمنفعته الدنيوية، ولتحسين وضعه المعيشي والاجتماعي كما ورد في أحاديث أخرى. ولذا نجد أن الأحاديث ذكرت كلا النوعين من العلم كما فيما يلي منها:

1- "العلوم أربعة، الفقه للأديان، والطب للأبدان، والنحو للسان، والنجوم لمعرفة الزمان" الإمام علي عليه السلام.
2- "العلم علمان، علم الأديان، وعلم الأبدان" رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلّم.
3- "علَّم اللَّه آدم ألف حرفة من الحرف وقال له: قل لولدك وذريتك: إن لم تصبروا فاطلبوا الدنيا بهذه الحرف، ولا تطلبوها بالدِّين، فإن الدين لي وحدي خالصاً، ويل لمن طلب الدنيا بالدين" النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلّم.
والإسلام لا يشجع أتباعه على الحصول على نوع واحد من العلم فقط وهو "علم الآخرة" بل يؤكد عليهم كذلك السعي لتحصيل "العلم للدنيا"، لأن لكل من العلمين وظيفته ودوره ومهمته في حياة الناس.

* بين ثقافة الدنيا والآخرة
ثقافة الدنيا هي عبارة عن العلوم الطبيعية والإنسانية والاجتماعية بشكل عام، والتي يتعلمها الإنسان ويترقى فيها من أجل أن تكون وسيلة لتسخير قوى الطبيعة وموجوداتها لخدمة الإنسان وتسهيل أمور الدنيا عليه من جهة، ولتكون ثقافة الدنيا وسيلة لتأمين الإنسان موارد رزقه وعيشه تجاه نفسه وعائلته ومن هو مسؤول عنهم. وثقافة الآخرة هي عبارة عن العلوم التي توضح للإنسان من أين جاء، وما هو دوره في هذه الحياة الدنيا، وما ينبغي عليه أن يفعله فيها، وإلى أين يذهب بعد الموت، وهي الثقافة التي تُحدّد للإنسان نوع عقيدته وسلوكه الفردي والاجتماعي في كل المجالات وتجاه كل الأمور، وإذا كانت هذه الثقافة صحيحة فإنها ترشده إلى سلوك الطريق الذي ينجو به عند اللَّه عزَّ وجلّ‏ يوم القيامة، وهذه الثقافة هي التي تحقق من جهة أخرى التوازن في حياة الإنسان بين السعي للآخرة من خلال العمل الصالح، والسعي للدنيا للاكتساب والارتزاق لتأمين لقمة العيش، وكلا السعيين يُشكلان الحركة المتكاملة للإنسان في الدنيا طبقاً للحديث الشريف "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لأخراك كأنك تموت غداً".

ومن جهة أخرى فثقافة الدنيا ليس من وظيفتها الأساسية إيصال الإنسان إلى اللَّه مباشرة، لأن موضوعاتها وعلومها ليست موضوعة لهذا الهدف، بل هي وسيلة لاكتساب حرفة كالنجارة والحدادة وما شابه، أو علم كالطب أو الهندسة وما شابه ذلك، نعم لو تعلم الإنسان تلك الحرفة أو ذلك العلم بنية التقرب إلى اللَّه وخدمة عباد اللَّه اكتسب عنده عزَّ وجلّ‏َ الأجر والثواب، فكان بذلك يحقق سعادته الأخروية والدنيوية معاً. بينما ثقافة الآخرة وظيفتها الأساسية تعريف الإنسان بربه كما في علم العقائد أو تعريفه على حدود الحلال والحرام وما يجب فعله وما يحرم فعله كما في علم الفقه، أو تعريف الإنسان بالسلوك الفردي والاجتماعي الصحيح والسليم كما في علم الأخلاق، وهذه الثقافة هي التي إذا أهملها الإنسان وتركها جانباً ولم يعمل على تحصيلها عاش في هذه الحياة الدنيا الضياع والانحراف والابتعاد عن الصراط المستقيم الذي به النجاة عند اللَّه يوم القيامة.

* أي ثقافة نريد
ثقافة الآخرة هي التي يشدد الإسلام ويؤكد على المسلمين ضرورة الحصول عليها عن طريق التعلُّم أكثر من ثقافة الحياة التي لا ينبذها الإسلام، بل يؤكد على تحصيلها أيضاً، لكن بالمقدار الذي يساعد الإنسان على الوصول إلى اللَّه بسلام وأمان، ولا يشجع على الانغماس فيها بنحو ينفصل فيه عن الدنيا وينعزل عن الناس مطلقاً، لأن الزيادة منها بهذا النحو مضرة وغير مفيدة، وقد تؤدي إلى الانحراف عن الصراط المستقيم.

وثقافة الدنيا مطلوبة اليوم كما ثقافة الآخرة من أجل تحصيل القوة المادية والتكنولوجية اللازمة لمواجهة القوة المادية الموجودة لدى الأعداء الذين يستعملون هذه القوة لقهر المسلمين وإذلالهم والسيطرة على بلادهم ومواردهم وقراراتهم وجعلهم يسيرون في فلك سياساتهم القائمة على الاستعباد والإذلال، ولا يمكن رد عدوان أولئك الطغاة إلا بالاستناد إلى القوة المادية التي لا سبيل لتحصيلها إلا بالعلوم التي تجعلنا قادرين على الوصول إلى المستوى الذي يؤهلنا لإنتاج القوة الموازية، ولكن مع الاعتماد والاتكال أيضاً على ثقافة الآخرة التي من مميزاتها أنها تصنع الإنسان المؤمن القوي الذي يكون مستعداً للتضحية والفداء والجهاد في سبيل اللَّه والدفاع عن كرامة وعزة الأمة الإسلامية ورفعة الإسلام وشرفه.

من هنا نقول: إن التكامل بين الثقافتين مطلوب، لكن الأساس هو التركيز على "ثقافة الآخرة" لأنها هي التي تُحدّد لنا ماذا نريد من "ثقافة الدنيا" وإلى أي حد يمكن السير فيها والتوغل في علومها ومعارفها بالنحو الذي يعود بالفائدة على الإسلام والمسلمين، لأنّه بدون هذا التحديد قد نسلك في علوم الدنيا وثقافتها سبلاً لا فائدة منها ولا منفعة فيها بل قد تكون مدمرة ونتحول معها إلى نموذج آخر من الدول المستكبرة، ويكون صرف الوقت في تحصيلها هدراً لا يمكن تعويضه أو استبداله، لأن الزمن الذي نكون قد صرفناه قد تصرَّم وانتهى ولم يعد بالإمكان تداركه، لأن الزمن لا يتوقف ولا يعود إلى الوراء.

ولتوضيح هذه المطالب جميعاً نذكر بعض الاستفتاءات الموجَّهة إلى سماحة الإمام الخامنئي المرجع والولي الفقيه للمسلمين مع الإجابات عليها:
س 241: أي التخصصات العلمية أصلح للإسلام والمسلمين هذه الأيام؟
ج: كل التخصصات العلمية المفيدة والتي يحتاجها المسلمون مما ينبغي أن يهتم بها العلماء والأساتذة والطلبة الجامعيون ليستغنوا بذلك عن الأجانب، لا سيما عن المعادين للإسلام والمسلمين.

س 229: هل يأثم الإنسان بترك تعلُّم المسائل المبتلى بها؟
ج: يأثم بترك الواجب أو بفعل الحرام فيما لو أدى عدم تعلُّمه لتلك المسائل إلى ذلك.

س 244: طالب جامعي يدرس منذ أربع سنوات في كلية الطب، ولديه رغبة شديدة في دراسة العلوم الدينية، فهل يجب عليه الاستمرار في دراسة الطب أو يجوز له الانصراف إلى دراسة العلوم الدينية؟
ج: للطالب الحرية في اختيار الفرع الدراسي، ولكن هناك مسألة ينبغي الالتفات إليها، وهي أن دراسة العلوم الدينية إذا كانت ذات أهمية من أجل ما يتوقع منها من القدرة على تقديم الخدمة للمجتمع الإسلامي، فدراسة الطب بهدف التأهيل لتقديم الخدمات الصحية للأمة الإسلامية وعلاج المرضى وإنقاذ أرواحهم لها أهمية كبرى أيضاً.

س 234: ما هو الطريق الصحيح الذي ينبغي للاختصاصيين الملتزمين اتخاذه حول تعليم الاخرين في الجمهورية الإسلامية، ومن هم الذين يستحقون الحصول على المعلومات والعلوم التقنية الحساسة في الدوائر؟
ج: لا مانع من تعلُّم أي شخص لأي علم أراد إذا كان لفرض عقلائي مشروع ولم يكن فيه خوف الفساد ولا الافساد، إلا إذا كانت الدولة الإسلامية قد وضعت ضوابط ومقررات خاصة حول ما يجب تعليمه وتعلُّمه من العلوم والمعلومات.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع