الأسرة بين هاتفٍ ذكيٍّ وتواصلٍ موهوم لمَ تقاطع أخاك؟ العاطفة سرّ التواصل الأسريّ حتّى لا يتنازع الإخوة في الميراث الأسرة تُصلح أفرادها - في فكر الإمام الخامنئيّ دام ظله أذكار | أذكار لطلب الرزق مع الإمام الخامنئي | سيّدة قمّ المقدّسة نور روح الله | الجهاد مذهب التشيّع‏* كيـف تولّى المهديّ عجل الله تعالى فرجه الإمامة صغيراً؟* أخلاقنا | الصلاة: ميعاد الذاكرين*

بهنَّ اكتمل النصر

زهرة بدر الدين


إنّ دور المرأة في الثورة الحسينية - الكربلائية كان دوراً بارزاً ومكملاً، في كلّ أطيافه وأشكاله. وحضرت المرأة مع الإمام عليه السلام وأصحابه أختاً وأمّاً وزوجة وابنة. فكانت مدافعة، مخطّطة، ولفرط تفانيها، أحياناً مبارزة. أمّا السيّدة زينب عليها السلام فقامت بأغلب هذه الأدوار، في شخصيّتها الجامعة عليها السلام، إلى جانب الإمام عليه السلام وبعد استشهاده، أيضاً.

* زينب عليها السلام والثورة في كلّ مكان
ظهر دور السيدة زينب عليها السلام بشكل بارز في كثير من المواقف والمحطّات إلى جانب الإمام الحسين عليه السلام، فكانت الحامي والمخطّط، والحافظ للإمامة. ويمكن إجمال دورها بما يلي:

1 - التخطيط والقيادة: هذا الدور كان خاصّاً بزينب عليها السلام من بين النساء. لقد كان الإمام الحسين عليه السلام يسرّ إليها بأمور، ويطلعها على مجريات الأحداث.
"جالت تراقب المخيّم لتستمع ما يدور فيه... فلم تترك الإمام الحسين عليه السلام يعالج الأمور بنفسه، بل كانت تتحرّى وتراقب الأخبار بنفسها، وتتأكّد من نيَّة الجميع، لأنها تخشى الوثبة على الحسين عليه السلام، فيسلّموه عند اللقاء، ولعلّ فيما بينهم جاسوساً أو عميلاً لابن سعد، وقد تردَّى برداء الزهد... سألتْ أخاها الحسين عن اختبار نيّات الأصحاب، فأجاب الإمام عليه السلام: "يا أختاه فوالله لقد بلوتهم فما وجدت فيهم إلّا الأشوس الأقعس، يستأنسون بالمنيَّة استئناس الطفل بلبن أمه"(1).

وكان الأصحاب يسلّمون عليها مدركين قدرها ومؤثّريتها في ما هم مقدمون عليه. وتجلّى ذلك حينما أقبل زهير بن القين إلى ركب الإمام الحسين عليه السلام، ففرحت النسوة بذلك وأرسلت السيّدة زينب سلاماً له، فلطم وجهه وقال: من أنا ومن أكون حتّى تسلّم عليَّ بنت أمير المؤمنين؟ فطلب الإذن للحديث معها، وأقبل إلى المخيّم وسلَّم على بنات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثمّ جلس على باب المخيّم مطأطئاً رأسه إلى الأرض يتأوَّه ويتحسَّر(2).

2 - الموت دون الإمام:
كانت زينب عليها السلام المدافع الأول عن الإمامة التي تمثّلت في حياة الإمام زين العابدين عليه السلام والذود عنه، فقد حاول الأعداء قتله مرّات عدّة، سواء في كربلاء حينما رمت نفسها عليه وكأنها تقول: اقتلوني قبل أن تقتلوه، أو أثناء السبي وفي قصر ابن زياد.
أضف إلى ذلك أنّ السيدة زينب عليها السلام كانت قد قامت، وبسبب مرض الإمام زين العابدين عليه السلام، بكلّ الأعمال التي يقتضيها دور الإمام ورعايته ومنها تنظيم ركب السبايا، فكانت تقوم بكلّ ما يلزم من إدارة النساء وتنظيم أمورهنّ وتفقّدهنّ، كما كانت تقوم بكل ما كان يشير عليه السلام إليها به.

3 - صدى الثورة:
أوصلت السيدة زينب عليها السلام صدى ثورة الحسين عليه السلام إلى كلّ العالم، وبذلك اكتمل النصر الذي رآه الإمام الحسين عليه السلام وأراده منذ البداية وبه تحقّقت أهدافه عليه السلام. وقد تمّ ذلك من خلال وسائل وأساليب عدّة منها:

أ- الخطب البليغة، ذات المعاني العالية التي استنهضت من خلالها همم الرجال والنساء حتّى صارت المرأة تلوم زوجها على عدم نصرته للحسين عليه السلام.

ب- مواجهة يزيد في قصره أمام كبار رجال القصر، مستحقرة قدره، مستخفّة به أمام كلّ القوم، بلسان فصيح، بليغ، حتّى أيقظت بذلك مشاعر الحضور، ونغّصت عليه بذلك نشوة النصر.

ج- مجالس العزاء التي أقيمت في كلّ مكان كان يسمح لها بذلك، وكان يحضرها نساء الكوفة يبكين الإمام الحسين عليه السلام ويواسين بنات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

*في ساحة المعركة
أمّا دور النساء في كربلاء فقد ظهر في مجالات عدّة منها:

1 - القتال في سبيل الله تعالى:

على الرغم من أنّ القتال ليس واجباً فعليّاً على المرأة في كربلاء، فإننا نجد نماذج نسائيّة دفعها الواجب لنصرة إمام زمانها ومنهنّ الزوجة المجاهدة والأمّ:

أ- أمّ وهب:

- أمّ وهب (الزوجة): وهي زوجة عبد الله بن عمير الكلبي وكنيته أبو وهب، برز دورها حين قتل زوجُها يساراً مولى زياد، وسالماً مولى عبيد الله بن زياد، ثمّ أقبل إلى الحسين عليه السلام يرتجز مفتخراً بهذا العمل البطولي، فأخذت زوجته أمّ وهب عموداً، وأقبلت نحوه تقول له: فداك أبي وأمي، قاتل دون الطيّبين ذرية محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، فأراد أن يردّها إلى الخيمة فلم تطاوعه وأخذت تجاذبه ثوبه، وتقول له: لن أدعك دون أن أموت معك، فناداها الحسين عليه السلام: جزيتم عن أهل بيت نبيّكم خيراً، ارجعي إلى الخيمة، فإنّه ليس على النساء قتال، فرجعت.

ولكن بعد أن استشهد زوجها مشت إليه وجلست عند رأسه تمسح الدم عنه، وتقول: هنيئاً لك الجنة، أسأل الله الذي رزقك الجنة أن يصحبني معك، فقال الشمر لغلامه رستم: اضرب رأسها بالعمود، فشدخه وماتت مكانها(3). وهي أول امرأة قتلت من أصحاب الحسين عليه السلام.

- أمّ وهب (الأمّ): بعد أن قُتِلَ ولدها وهب، وقطعوا رأسه ورموا به إلى جهة الحسين عليه السلام، أخذته أمه ومسحت الدم عنه، ثم أخذت عمود خيمة وبرزت إلى الأعداء فردّها الحسين وقال: ارجعي رحمك الله فقد وُضع عنك الجهاد(4). هذه المرأة لعبت دور الزوجة والأم بشجاعة وإيمان صلب في نصرتها للإمام عليه السلام. حفّزت وشجّعت ولدها لنصرة الإمام فقال لها: سأفعل يا أمّاه. وبادر إلى الحرب فحارب وقتل جماعة ثم رجع إلى الخيمة قائلاً: أَرَضيتِ يا أمّاه؟ فقالت: ما رضيت أَوَ تُقتل بين يدي الحسين عليه السلام، فقالت له امرأته: بالله لا تفجعني في نفسك. لكن سرعان ما بادرت الأمّ إلى تشجيعه، وبالفعل استطاعت أن ترجعه إلى المعركة فقاتل حتى قُتل(5).

ب- أمّ عمرو بن جنادة الأنصاري:

بعد أن قُتل زوجها في الحملة الأولى جاء ولدها عمرو، وهو ابن إحدى عشرة سنة يستأذن الحسين عليه السلام فأبى أن يأذن له بالقتال، وقال: هذا غلام قُتل أبوه في الحملة الأولى، ولعلّ أمّه تكره ذلك، فقال الغلام: إنّ أمي أمرتني، فأذن له عليه السلام، فما أسرع أن قُتل ورُمي برأسه إلى جهة الحسين، فأخذته أمه ومسحت الدم عنه، وضربت به رجلاً قريباً منها، فمات، وعادت إلى المخيم فأخذت عموداً، فردّها الحسين إلى الخيمة، بعد أن أصابت بالعمود رجلين(6). فكانت هي سبباً لإقدام ولدها رغم صغر سنّه، ومشجعةً له.

2 - الحماية والرعاية:

أمّا دور الحماية فقامت به المرأة الصالحة طوعة التي آوت وأخفت مسلم بن عقيل في بيتها، عندما كان مطارداً من قبل عبيد الله بن زياد، حيث عرَّضت وجودها ونفسها وبيتها إلى أشدّ الخطر وقد حازت الشرف والمجد لحمايتها وإيوائها سفير الإمام وريحانة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم (7).

وكذلك نجد مواقف شجاعة للمرأة في الجانب المعادي لمعسكر الحسين عليه السلام مستنكرة ما حصل مع الإمام عليه السلام وترفض هذه الجريمة الوحشية التي تعرَّض لها ابن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام، كموقف النوّار زوجة كعب بن جابر، الذي شارك في قتل برير بن خضير، فعتبت عليه، وقالت: "أعنت على ابن فاطمة، وقتلت سيّد القرّاء، لقد أتيت شيئاً عظيماً من الأمر، والله لا أكلّمك من رأسي كلمة أبداً"(8). وهذا موقف البراءة من أعداء الله، وهو من المواقف المكمّلة لموقف الولاية والولاء لأولياء الله. وهناك العديد من هذه النماذج المشرّفة.

3 - دور التحفيز والتشجيع:

ج- زوجة زهير بن القين البجلي:
هذه المرأة العظيمة التي انتقلت بزوجها إلى هوى أهل البيت عليهم السلام واستطاعت بكلام حكيم أن تغيّر هوى زوجها الدنيويّ، وتصوّبه نحو الإمام الحسين عليه السلام في ظروف كان أكثر الناس يتجنّب فيها ذلك، فكان لكلامها أثر بالغ في انضمامه إلى الإمام الحسين ليصبح من أفضل الصحابة والمستشهدين بين يديه.


1- السيدة زينب في محنة التاريخ، عايدة عبد المنعم طالب، ص104.
2- م. ن، ص100.
3- أنصار الحسين، الشيخ محمد مهدي شمس الدين، ص76.
4- عاشوراء وما تلاها، محمد جعفر الطبسي، ص90؛ تاريخ الطبري، ج4، ص327.
5- مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب، ج3، ص250.
6- عاشوراء وما تلاها، م.س، ص118.
7- أنصار الحسين، م.س، ص159.
8- حياة الامام الحسين، باقر القرشي، ج3، ص1993.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع