المسجد... بيت الشهداء الثاني مساجد تبني رجالاً -مسجد الخضر نموذجاً - بأدبنا نحفظ بيوت الله المسجد منطلق التربية والثورة مع الإمام الخامنئي | الانتظار أكبر منافذ الفرج* إيران من طاغوت القصر إلى جمهـوريّة إسلاميّة*  هل يُحرم ذكر اسم الإمام المهديّ؟* أخلاقنا | لا تُفسد قلبك بالحسد (2)* الشهيد على طريق القدس القائد عبد الأمير سبليني كواليس «ذكرياتي مع أبي»

عهد العشرة: حينما صار المسجد شاهداً

تحقيق: مصطفى عواضة


من مسجد الناصر في الأوزاعي بدأت الحكاية تأخذ معناها الكامل، هناك حيث لم يعد البحر وحده شاهداً، بل صار المكان شاهدَ عهدٍ أُعلن بوعيٍ ويقين. بين جدران المسجد، تحوّل الوعد إلى التزامٍ وجوديّ لا رجعة عنه. لم يكن اللقاء صلاةً عابرة، بل تأسيساً لمعنى: أنّ الطريق إلى الوطن يمرّ من التضحية، وأن الإيمان حين يقترن بالفعل يصير موقفاً لا يُساوَم عليه.
في تلك اللحظة، خرج العشرة من حدود الذكريات إلى أفق الرسالة. تسعةٌ مضوا شهداء، وعاشرهم السيّد فؤاد شكر الذي بقي حارس العهد على حدود فلسطين، يحمل ثقل الوصيّة وصدقها، مواصلاً مسيرة انتصار الدم التي انطلقت يوم خطّوا بأصابعهم الصغيرة على رمال الشاطئ عهداً أبديّاً في ماء البحر، القريب من المسجد، والذي ما زال يردّد أسماءهم مع كلّ موجة.

• عهد الإيمان: التكاتف والتعاهد على التضحية
خلال تلك السنوات، كانت الأنظار دائماً متّجهة نحو الجنوب حيث الأحداث تتكشّف. لكن في مسجد الناصر، كان هؤلاء الشباب يناقشون الخطط بروح التكاتف والصبر، ويتعاهدون على السير في طريق التضحية. كانوا يعلمون أنّ استشهاد أحدهم لا يعني النهاية، بل مواصلة الآخرين المسار نفسه. بالنسبة إليهم، العهد لم يكن مجرّد وعد، بل التزام روحيّ ومصيريّ.
تروي خديجة ابنة الشهيد السيّد فؤاد شكر أنّ المسجد لم يكن مكاناً للصلاة أو للتجمّع فحسب، بل كان حصناً للأمل ومقرّاً لصقل الشخصيّة، وفضاءً لتعلّم القرآن وتربية الروح. هناك، ارتبط الشباب من منطقة الأوزاعي بمبادئ الدين والولاء للوطن، متجاوزين الانقسامات الطائفيّة والدنيويّة، متّحدين بهدف واحد: مواجهة الاحتلال «الإسرائيليّ» والدفاع عن الأرض والكرامة.
تضيف قائلة: «كان والدي دائماً يحرص على غرس وعي عميق فينا، ويعلّمنا أنّ القوّة الحقيقيّة ليست في الجسد، بل في الإيمان والالتزام، وأنّ المسجد ليس مكاناً للعبادة فحسب، بل مدرسة للقيم والمقاومة». من هنا، أصبح المسجد رمزاً للتضامن والوفاء، ومركزاً لتنشئة قادة المستقبل.

• خطوات الشهداء: من التخطيط إلى المواجهة
بين الصلوات والدروس الدينيّة، شهد هؤلاء العشرة، بينهم والدها، لحظات التخطيط والمناقشة الحثيثة. ومع تصاعد الأحداث، بدأت المواجهات الأولى، واستشهد واحد تلو الآخر من الشباب: أحمد شمص، محمد حسونة، عاصي زين الدين، سمير مطوط، حسن شكر، محمد نعمة يوسف، محمود يوسف، جعفر المولى وصولاً إلى الشيخ أسعد برّو.
وبقي العاشر، السيّد فؤاد شكر، حامل الشعلة وروح العهد، حتّى نال الشهادة على طريق القدس.
ترى خديجة أنّ هذه الدورة من التضحية كانت درساً حيّاً في الإيمان والشجاعة. وتصف كيف أصبح مسجد الناصر في قلوبهم أكثر من كونه مسجداً؛ كان حصناً ومصدراً للإلهام، مدرسة للشجاعة، وفضاءً لصقل الإرادة والوعي. هناك، تعلّموا أنّ التضحية ليست نهاية، بل بداية لمعنى أعمق: دم الوطن يجري في عروق أبنائه، والشهادة تتحوّل إلى رسالة، والوفاء يصبح قانوناً خالداً.

• المسجد متراس القرار
يُكمل المشهدَ حديثُ فضيلة الشيخ أحمد خشّاب، أحد الذين تعاهدوا إمامة مسجد الناصر، الذي يعيد «عهد العشرة» إلى لحظته التأسيسيّة الأولى، بوصفه فعلاً واعياً نابعاً من يقينٍ عقائديّ لا من انفعالٍ عابر. يروي فضيلته أنّ هؤلاء الشباب اجتمعوا في بيتٍ من بيوت الله في العام 1982م، في ذروة الاجتياح الإسرائيليّ، وقد حُسم خيارهم سلفاً: مقاومة العدوّ حتّى الشهادة، انطلاقاً من التزامهم بحكم الله، وإيمانهم بأنّ الدفاع عن الوطن واجب شرعيّ، وأنّ حبّ الأوطان من الإيمان. لم يكن الاجتماع تنظيميّاً بحتاً، بل عهداً وجوديّاً واضح المعالم، أدرك أصحابه أنّهم مقبلون على طريق لا عودة منه.
يستعيد الشيخ خشّاب ذكر الشهداء العشرة بوصفهم نماذج صدقٍ ووفاء، ويؤكّد أنّ اختيار المسجد مكاناً للاجتماع لم يكن تفصيلاً شكليّاً، بل جوهر الفكرة كلّها. فهؤلاء عاشوا المسجد محوراً لحياتهم اليوميّة، ولصلاتهم ولقاءاتهم وتخطيطهم وتعبئتهم الروحيّة والفكريّة.

• الخطوات الأولى
من المسجد انطلقت خطواتهم الأولى، إلى خلدة وكليّة العلوم، ثمّ إلى الجنوب، رافضين أن يبقى الوطن مهدّداً والعدوّ آمناً. كانوا من أوائل من تعرّفوا إلى فكر الإمام روح الله الخمينيّ قدس سره، ورأوا في انتصار الثورة الإسلاميّة إعلاناً لثورة المستضعفين، ومسؤوليّة عمليّة تتطلّب فعلاً وتضحية، لا مجرّد إعجابٍ أو خطاب.
يرى الشيخ خشّاب أنّ الوفاء بالعهد هو السمة الأعمق التي جمعت هؤلاء. فقد كانوا واعين لتكليفهم، أصحاب بصيرة، لا مندفعين بلا وعي، ولا باحثين عن موتٍ عبثيّ. عاشوا ثقافة الشهادة بوصفها فوزاً برضا الله، وطلباً لحسن العاقبة، وامتداداً لخطّ كربلاء حيث ينتصر الدم على السيف. كانوا مقبلين غير مدبرين، مؤمنين بأنّ الشهادة ليست نهاية، بل عبور إلى حياة أسمى.
يضع فضيلة الشيخ الشباب العشرة في سياقهم التاريخيّ بوصفهم الرعيل الأوّل وجيل 1982م، الذين حوّلوا الضعف إلى قوّة، والخوف إلى وحدة، فكانت تجربتهم إحدى اللبنات التي تبلورت لاحقاً في إطار حزب الله. امتازوا بالكتمان والصمت والإخلاص والتجرّد، وهي صفات يرى أنّها كانت العامل الحاسم في نجاح المسار، وفي تحويل العهد من نيّة إلى واقع، ومن فكرة إلى فعل مقاوم مستمرّ.
يختم الشيخ خشّاب بالتأكيد أنّ المسجد، تاريخيّاً، لم يكن يوماً مكان عبادة معزولاً عن الحياة، بل منطلق الرسالات وحاضنة حركات التحرّر. فمنه بدأ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بناء المجتمع، ومنه انطلقت المقاومة في لبنان. المسجد مدرسة لبناء الإنسان، وصناعة الوعي، ومواجهة الطغيان، وتربية أجيال لا تساوم على الحقّ. وحين يصبح المسجد محور الحياة، كما كان حال هؤلاء، يصبح العهد ثابتاً، والوفاء ممكناً، ويغدو النصر أو الشهادة نتيجة طبيعيّة لمسارٍ اختير بوعي.


هكذا، لا يبقى عهد العشرة ذكرى عابرة، بل هو إرث حيّ في مسجد الناصر، وفي ذاكرة أهل المقاومة، وفي وجدان كلّ من عرفهم أو سمع حكايتهم. رجال دخلوا القلوب قبل أن يدخلوا التاريخ، وبقوا منارات هدى لكلّ طالب حقّ، وناصر مظلوم، ومحبٍّ لوطنه، حيث لا يزال المسجد شاهداً على عهدٍ لم يُنقض، ووفاءٍ لم يَخفت.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع