باقر حريصي
في السابع والعشرين من أيلول/ سبتمبر، كان يشارك في تشييع أحد الشهداء عندما تساقطت أطنان من المتفجّرات على حارة حريك، فلم يترك التشييع إلى أن انتهت المراسم. وظهيرة اليوم التالي، عند تلقّيه النبأ العظيم بأنّ سيّد شهداء الأمّة (رضوان الله عليه) قد استشهد، خنقته عبرته وكاد أن يموت قهراً.
• توافق بين الجهاد والدراسة
عندما أتمّ دراسته الثانويّة، استأذن والده بعدم إكمال دراسته الجامعيّة لسنتين أو ثلاث. في البداية، استغرب أهله هذا الطلب لأنّه كان ناجحاً ويحبّ دراسته، فتساءلوا عن سبب هذا القرار.
بعد ذلك، تبيّن أنّ السبب هو رغبته في إنهاء دوراته العسكريّة التي تؤهّله لأن يكون في الصفوف الأماميّة أثناء الحرب. ووعد الجميع أنّه بمجرّد إتمام هذه الدورات سيعود لاستكمال دراسته. وهذا ما حصل بالفعل، بحيث نال إجازة في علوم الشبكات والاتّصالات.
• رضا الله ورضا الوالدين
لم يخرج من المنزل قبل أن يصلّي بضع ركعات، يقول شقيقه: «كان بيني وبين الشهيد موعد عند السابعة صباحاً، فذهبت إليه ووجدته نائماً. كنت على عجلة من أمري، فأيقظته، فقام مسرعاً ومنزعجاً. ظننت في البداية أنّه انزعج لأنّنا تأخّرنا، لكنّه ذهب ليتوضّأ وبدأ بالصلاة. استغربت تصرّفه فالوقت ليس وقت صلاة. صلّى ركعتين وركعة، ثمّ ركعتين أخريين. عندما سألته عن ذلك لم يجب فوراً، إلى أن أسرّ لي لاحقاً أنّه كان قد غلبه النوم فلم يقم لصلاتَي الليل والفجر، فقام بقضاء ركعتَي الشفع وركعة الوتر وصلاة الفجر قبل أن يخرج من المنزل.
أيّام جائحة كورونا، كان لديه عمل في الجمهوريّة الإسلاميّة فمكث هناك نحو شهرين. بسبب الوباء، كان العمل قليلاً وأوقات الفراغ كثيرة، وكأنّ الفرصة سنحت أمامه؛ فمثل هؤلاء لا يهدرون وقتهم أبداً، بل استغلّ كلّ ثانية للعبادة في حرم الإمام الرضا عليه السلام وعند السيّدة المعصومة عليها السلام. وكم تمنّى أن تطول هذه الأيّام، فقد كان محلّقاً بين يدَي ربّه.
كان يربط رضا الله برضا والديه. لم يطلب منه أحد طلباً ورفض أن يلبّيه، بل كان يقول جملته الشهيرة: «ارتاحوا، وقولوا لي ماذا تريدون». فقد كان يعلم جيّداً أنّ رضا أهله فيه مرضاة الله عزّ وجلّ. كان خدوماً، ومزوحاً، وضحوكاً، ودائم الزيارات لإخوانه. وقد ترك بصمة في قلب كلّ من أحبّه.
• الأمانة وحفظ دماء الشهداء
لم يتوانَ عن التحاقه بالجبهة أثناء حرب الدفاع عن المقدّسات. وكان شديد الحرص على مقتنيات العمل، لدرجة أنّه لم يكن يرضى أن يستخدم حتّى قلم الحبر لكتابة شيء خاصّ. أمّا إذا استخدم كوباً بلاستيكيّاً فكان يدفع مبلغاً من المال كبراءة ذمّة، لأنّه كان يرى أنّ أموال العمل وأغراضه أمانة بين أيدينا، وقد دفع الشهداء ثمنهما دماً.
• درجتان للقاء
قبل شهرين من شهادته، رأى في منامه أنّ صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف كان يجلس على درج وبينه وبين سليم درجتان فقط، فالتفت إليه الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف وابتسم له. سأله الشهيد: «مولاي، هل سأدركك أم سأكون قد رحلت؟». فأجابه الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف : «ستدركني...»، ثمّ استيقظ سليم فرحاً مسروراً وقد روى لأهله ما رأى، فسجّل والده روايته للمنام بصوته.
اندلعت الحرب، فاضطرّ إلى النزوح مع أسرته إلى مكان آخر، حيث مكث معهم لمدّة شهر كامل. كان يتحلّى بالعزيمة والإخلاص، وكان ينام مبكراً ويستيقظ بعد منتصف الليل ليؤدّي صلاته، ثمّ يقف لصلاة الفجر راكعاً وساجداً يدعو الله أن يمكّنه من الانضمام إلى الجبهة. كان كلّما سمع بخبر استشهاد أحدٍ، يعتصر قلبه شوقاً وحنيناً. وبعد مرور شهرين على تلك الرؤيا، استُدعي للقتال، ووصل إلى حيث كان يرغب في أن يكون. أثناء وجوده في مبنى، نزل درجتين عند باب المبنى، وإذا بحزامٍ ناريّ ينفجر، محوّلاً المباني حوله إلى رماد. ارتقى شهيداً بين يدَي الله، وبعد شهرين، تسلّم الأهل جثمانه المبارك المقطّع إلى أشلاء لا يتجاوز وزنها الكيلوغرام الواحد.
دُفن كوديعة في جنّة الإمام الصادق عليه السلام قبل نقله إلى جنّته الأخيرة مع رفاقه الشهداء في بلدته طلّوسة.
فسلامٌ عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يُبعث حيّاً.
* مهداة للشهيد سليم أحمد حريصي، استشهد في مجدل سلم، بتاريخ: 04/11/2024م.