مناسبة | من رُزق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حُبّها أذكار | شهر رمضان المبارك آخر الكلام | الأوراق المغلّفة الافتتاحية | ما أفضل أعمال شهر رمضان؟ القرآنُ مشروع حياة القرآن يربّي أبناءنا -سورة النور نموذجاً- القرآن يرشدُ عقولنا القرآن يهذّب سلوكنا القرآن يُعلمنا التوحيد مع الخامنئي | كنوز البعثة النبويّة*

قصة: دانييلا


الشيخ محمّد شمص


أكتب إليك رسالتي هذه وأنا أعرف كم أنت مستاءة من تجاهلي الأمر. صدّقيني، لم أشأ أن أخبرك، لا لأنّي غير مبالٍ بآلامك، بل لأنّي أدرك جيّداً أنّه لو أخبرتك ستكرهينني، وستحقدين عليّ. لكن لم يعد يهمّني الآن. اليوم سأخبرك... كيف قُتل موشيه.

كنت دائماً أفتخر بأنّي فرد من قوّات النّخبة (وحدة ماغلان)، وأفتخر بأنّي جنديّ من جنود الملك داوود، فأنا الجنديّ الذي تربّى على فكرة أنّ النّصر أمرٌ حتميّ لجيش الدّفاع، وأنّ رجال "إسرائيل" أشعلوا حروباً وانتصروا، وخاضوا معارك وهزموا جيوش العرب. لا أحد يمكنه أن يقف في وجه "إسرائيل"، فلدينا أقوى جيش في المنطقة، ولدينا ولدينا و…

صباح السابع عشر من تمّوز، انطلقت عمليّتنا البرّيّة قرب مارون الراس، وسُمّيت آنذاك: "إسرائيل خيوط فولاذ". كنت في وحدة "ماغلان"، يتبعني ثلاثون جنديّاً من بينهم موشيه. كان هدف العمليّة الوصول إلى نقطة الملعب وزرع علم "إسرائيل" هناك، حيث ألقى "نصر الله" خطابه الشهير سنة 2000م بعد خروجنا من لبنان. مهّدت لهذه العمليّة البريّة طائرتنا الحربيّة، فجعلت الموت يهبط من السماء كالمطر، ودمّرت كلّ شيء، أقول: "كلّ شيء". قالوا لنا: الآن باتت المنطقة آمنة، يمكنكم البدء بالعمليّة.

تبّاً وسحقاً لقاداتنا المخادعين الكذَبة، تبّاً وسحقاً لطائراتنا الحربيّة العظيمة، تبّاً وسحقاً لمدافعنا الثقيلة.

تريدين أن تعرفي كيف قُتل موشيه؟! حسناً، سأخبرك.

نحن من قتل موشيه، جيشنا العظيم من قتله، أنا من قتل موشيه، حين تقدّمنا سريعاً، وفجأةً، واجهتنا مقاومة لم تكن في الحسبان، من أين خرج رجال حزب الله؟ لا ندري! كانوا أشبه بالأشباح! ملؤوا قلوبنا رعباً وأحالوا صباحنا ليلاً، فلم نستطع الوصول إلى الملعب، وبقي أمامنا كيلو متر واحد، لكن لم نجرؤ على التّقدّم. النيران الكثيفة أحاطت بنا من كلّ جانب، وسقط لنا جرحى وقتلى. استقرّ الرأي على زرع علم "إسرائيل" على سطح أحد البيوت، ثمّ تصويره ليُقدَّم للإعلام على أنّ "إسرائيل" أعادت اعتبارها، وهي "خيوط من فولاذ". دانييلا، إنّ "إسرائيل" ليست كبيت العنكبوت، بل هي أوهن منه، تماماً كما قال "نصر الله".

صعد أحد الجنود إلى سطح المبنى ليزرع العلم، وما إن أنهى مهمّته حتّى باغتتنا قذيفة قتلت الجنديّ، واحترق العلم، ووصلت شظيّة إلى موشيه فسقط جريحاً، وأُتبعت برشقات ناريّة، فرّ على أثرها كلّ الجنود، وكنْتُ أنا مع الفارّين. كان بإمكاني نقل موشيه إلى مكان آمن، لكنّي لم أفعل. كان قلبي مملوءاً بالرّعب. جبنت وهربت، ولم ينفع موشيه كلّ توسّلاته وآهاته. نعم، تركته لمصيره الأسود.

دانييلا... لا تلقي كلّ اللوم عليّ، لستُ وحدي من فرَّ من المعركة، لست وحدي من ضعف عن القتال. سلي كلّ جنود وضبّاط "إسرائيل"، فمن يحدّثك عن بطولاته في تمّوز، ضعي أصابعك في عينيه؛ لأنّه كاذب مخادع.

وها أنا اليوم لم أزل أتذوّق طعم المرارة، طعم الهزيمة الكريه، لم أعد أستطيع التّحمل أكثر، فما زالت توسّلات موشيه وصراخه تضجّ في رأسي، ولا أزال أعيش ذلك اليوم كما لو أنّه الآن؛ رعب، اضطراب، قتل، صراخ، ألم، حرقة، فرار، جبن، عار،…

لا شيء نفعني، لا عقاقير مهدّئة أو حتّى منوّمة، ولم أستطع أن أنقذ موشيه، ولم أستطع أن أنقذ نفسي.

"غابي حاييم"

17 تمّوز 2007م

طوى ضابط التّحقيق الرّسالة الملطّخة بالدّم، بينما كان المُحقّقون يعاينون الجثّة، التي تسبح في بقعة كبيرة من الدم، والمسدّس ملقى إلى جانبها، ثمّ قال متأسّفاً: رسالته موجّهة إلى أمّ موشيه.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع