مناسبة | من رُزق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حُبّها أذكار | شهر رمضان المبارك آخر الكلام | الأوراق المغلّفة الافتتاحية | ما أفضل أعمال شهر رمضان؟ القرآنُ مشروع حياة القرآن يربّي أبناءنا -سورة النور نموذجاً- القرآن يرشدُ عقولنا القرآن يهذّب سلوكنا القرآن يُعلمنا التوحيد مع الخامنئي | كنوز البعثة النبويّة*

إلى كل القلوب: أستاذنا العطوف(*)


(السيّد الشهيد عبّاس الموسوي (رض) وذكريات النجف)
سماحة السيد حسن نصر الله (حفظه الله)


"نحن نؤمن في عقيدتنا أنّ الشهداء أحياء. وسماحة السيّد عبّاس الموسويّ (رضوان الله عليه) غاب بجسده، ولكنّه ما زال موجوداً وحيّاً فينا؛ بكلماته، وخطاباته، وروحه، وفكره، وثقافته، ونهجه، وخطّه الذي رسمه لكلّ الإخوة والرفاق والتلامذة وأفراد العائلة والأحبّة، الذين واصلوا دربه، ولا يزالون، حتّى يومنا هذا".

عن السيّد الشهيد، عن الأستاذ، والأب، والرفيق، والأنيس، والحبيب، والقائد وذكريات النجف، نتحدّث في ذكرى القادة الشهداء.

* النجف.. الحلم
في العام 1976م، هُجّرنا إلى بلدتي البازوريّة نتيجة أحداث بيروت. وكنت من هناك أتردّد إلى مدينة صور للدراسة في ثانويّتها، وبطبيعة الحال، كنت أصلّي يوميّاً في مسجد المدينة، حيث تعرّفت إلى سماحة السيّد محمّد الغرويّ (حفظه الله)، وقد أبدى سماحته استعداده للمساعدة في تحقيق رغبتي بالذهاب إلى النجف الأشرف للدراسة، فأعطاني رسائل: رسالة للإمام الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر قدس سره، وأخرى لآية الله الشهيد السيّد محمّد باقر الحكيم، وواحدة لآية الله السيّد محمود الهاشميّ الشهروديّ (رضوان الله عليه)، وطلب منّي إيصالها إليهم، قائلاً لي إنّهم سيعتنون بي هناك. وبالفعل، وصلت إلى النجف عند منتصف ليل 15 كانون الأوّل 1976م. كان عمري حينها 16 عاماً، وكانت المرّة الأولى التي أسافر فيها خارج البلاد. استقبلني أحد طلّاب العلم، الذي ساعدني في الوصول إلى الشيخ علي كريّم في اليوم التالي. كنت أعرفه بحكم الجيرة في منطقة النبعة، فأخبرته بأمر الرسائل التي بحوزتي، فقال لي: "من الصعب الوصول إلى هؤلاء الأشخاص؛ بسبب تضييق النظام عليهم، ولكن أستطيع أن أرشدك إلى السيّد عبّاس الموسوي الذي قد يساعدك". اتّفقنا على اللقاء بالسيّد عبّاس (رضوان الله عليه) في أحد الأماكن. للوهلة الأولى، اعتقدتُ أنّه عراقيّ، فحدّثته بالعراقية، فضحك السيّد عبّاس، وقال: "أنا لبنانيّ مثلك، من قرية النبيّ شيث، فتحدّث براحتك". أخبرته بأمر الرسائل، وعلى الفور انطلقنا.

* في محضر السيد الصدر قدس سره
قصدنا عدداً من العلماء، ولم نجدهم، إلى أن وصلنا إلى منزل السيد محمّد باقر الصدر قدس سره. وكنّا قد اجتزنا كلّ هذا الوقت ما بين 2.5 إلى 3 كلم سيراً على الأقدام. شعرت برهبة كبيرة في محضره قدس سره، خصوصاً أنّني ألقاه للمرّة الأولى. ولشدّة تواضعه وعطفه وكثرة تبسّمه، شعرت خلال دقائق بالارتياح. سلّمته الأمانة، وتحدّثنا قليلاً، ثمّ طلب سماحته من الشهيد السيّد عبّاس الاهتمام بي، وأن يشرف على دراستي، والاعتناء بكلّ أموري، مقدّماً له مبلغاً من المال لشراء ما يلزمني. هكذا بدأت رحلتي مع سماحة السيد عباس (رضوان الله عليه)، وبدأتُ معها أكتشف أسرار ذلك العالِم الجليل.

* طالبٌ مجدٌّ
كان السيّد عبّاس (رضوان الله عليه) طالباً مجدّاً للغاية. فقد انتسب إلى الحوزة في فترة مبكرة من شبابه، وكان الوقت قيّماً جدّاً بالنسبة إليه، فاستغلّه أحسن استغلال. مثلاً، أنهينا معه في سنة واحدة ما كان يستغرق نحو ثماني سنوات مع أساتذة آخرين. وكلّ ذلك بفضل ما كان يتمتّع به من الجدّيّة، واستغلاله الوقت، وتحمّله المسؤوليّة.

ومن المعروف أنّ طالب العلم اللبنانيّ كان يعود إلى بلده لزيارة أهله بعد نحو سنة، أمّا السيّد عبّاس، فقد بقي هناك ثلاث سنوات متتالية، أمضاها كلّها في الدرس والمطالعة والعمل الجدّيّ.

* في جوار منزله
في تلك الفترة، التحق أغلب الطلّاب اللبنانيّين، ممّن أنهوا دراستهم الثانويّة أو الجامعيّة، بحوزة النجف الأشرف بين عامي 1975م و1977م، توزّعوا بين مجموعة من المدارس الداخلية، ولحسن الحظّ، أخذني السيّد عبّاس (رضوان الله عليه) للإقامة في مدرسة بجوار منزله، "الأوزريّة"، التي تبنّى سماحته مجموعة من طلّابها أيضاً، وتكفّل أمور معيشتهم ودراستهم.

* مدرّس مميّز وفريد
في تلك الفترة، كان سماحته متزوّجاً، وله أولاد، أي أنّ مسؤوليّاته كانت كثيرة. ومع ذلك، كان يلزم نفسه بالكثير من المهام؛ فبالإضافة إلى الاعتناء بأمور مجموعة من الطلّاب، فقد كان أيضاً يدرس بحث الخارج في الفقه والأصول عند الإمام السيّد محمّد باقر الصدر قدس سره، مضافاً إلى تولّيه تدريس مجموعة من الصفوف، بمنهجيّة مميّزة وغير مألوفة في ذلك الوقت، يمكن أن أطلق عليها اسم "التربية والتعليم"، فعندما كان يشرح درساً، كان يطلب منّا أن نلقيه عليه في اليوم التالي؛ ليتأكّد أنّنا فهمنا كلّ ما شرحه، لينتقل بعد ذلك إلى شرح درس جديد. وبعد إنهاء كلّ فصل، كان يُخضعنا لامتحانات. وكنّا نتوجّه إلى الصفّ، الذي كان في المسجد، فيأخذ كلٌّ منّا مقعده بالجلوس فوق السجّادة، وسط قلق كبير من أن نرسب في الامتحانات، ليس خوفاً من سماحته، وإنّما كان يعزّ علينا كثيراً أن نُحزنه في حال لم نحصّل علامات جيّدة.

وهكذا، مع مدرّس كالسيّد عبّاس، لم نكن نحصي الأيّام، ولا الكتب، ولا المراحل أو السنوات الدراسيّة، وإنّما كنّا نجتاز معه مراحل دراسيّة مهمّة، نحفظ خلالها الكتب عن ظهر قلب.

* ضغط مثمر
لكثرة الجدّيّة والحرص اللذين كان يبديهما سماحته خلال تدريسنا، مرّت السنة الأولى في ضغط شديد، إذ كنّا نمضي معظم الوقت في الدرس، ليلاً ونهاراً، ودون أن نأخذ أيّ عطل، حتّى بتنا لا نعرف في أيّ يوم من الأسبوع نحن، إذ كان السيّد حريصاً جدّاً على عدم إضاعة أيّ وقت في غير التدريس. حتّى في المناسبات الكثيرة، والتي كانت الحوزات تتوقّف عن الدروس خلالها، كان السيّد يستغلّها في شرح درس ما. على سبيل المثال: في شهادة أحد الأئمّة، كان سماحته يأخذنا إلى مرقده الشريف لزيارته، فيستغلّ وجودنا هناك ليشرح لنا درساً.

وكان سماحته يقسّمنا إلى مجموعات لكي ندرس ليلاً، ومع بعضنا بعضاً، كل ما حصّلناه في فترة النهار. صحيح أنّ هذا الأسلوب كان يتطلّب وقتاً وجهداً، إلّا أنّه كان مثمراً في نهاية المطاف.

* مواد متنوّعة
كنّا يوميّاً نتلقّى نحو خمسة دروس؛ اثنان أو ثلاثة منها مع السيّد عبّاس، ثمّ يُحيلنا سماحته إلى أساتذة آخرين، كان يختارهم بنفسه؛ لاستكمال ما تبقّى من دروس، على أن يقوم بمراجعتها لنا بنفسه.

أمّا على صعيد المواد، فكان ثمّة تنوّع فيها. فعلى سبيل المثال: في مرحلة المقدّمات، كنّا ندرس النحو، والصرف، والمنطق، والفقه، والتفسير، والأخلاق،... لنتدرّج لاحقاً إلى البلاغة وما شاكل، ليتمّ التركيز من بعدها على أصول الفقه. كما أنّ سماحته كان يدرّسنا من كتب الشهيد الصدر قدس سره، مثل كتب فلسفتنا، واقتصادنا، والبنك الربويّ في الإسلام. كان كلّ هذا المنهج أمراً غير مألوف في الحوزة في ذلك الوقت.

* أبٌ عطوف
لم يكن السيّد عبّاس (رضوان الله عليه) ذلك الأستاذ الجدّيّ فحسب، وإنّما كان أباً عطوفاً يرعى طلّابه، ويوجّههم ويرشدهم بالكلمة الطيّبة، ويخفّف عنهم إذا كانوا في ضيق. وكان يتفقّدهم ليلاً في غرفهم في المدرسة، يتفقّد أحوالهم، ويسألهم إذا تناولوا عشاءهم.

إنّ هذه العلاقة المميّزة وهذا التعاطي الخاصّ، جعل طلّابه يحبّونه ويتعلّقون به، خصوصاً أنّهم في الغربة يحتاجون إلى من يرعاهم ويسأل عن أحوالهم.

* تربية خاصّة
كان سماحة السيّد عبّاس (رضوان الله عليه) يحرص على تربية طلّابه تربية خاصّة، من خلال تدريسهم ومتابعة شؤونهم، حتّى يصبح كلّ واحد منهم أستاذاً في يوم من الأيّام، فيربّي بدوره مجموعة من الطلّاب، وهكذا. كما أنّ سماحته، كان يحرص أن يجعل من طلّابه خطباء، إذ كان في شهر رمضان المبارك يطلب منهم صعود المنبر لإلقاء خطبة. وكان هذا العمل يتطلّب أن يحضّر كلّ منّا درساً من أجل إلقائه. في الحقيقة، لقد أراد سماحته من كلّ ذلك أن يربّي طلّابه ثقافيّاً وعقائديّاً، حتّى يصنع منهم علماء ومبلّغين وقادة، على مستوى متقدّم من التقوى، والتديّن، والعلم، والثقافة، والإحساس بالمسؤوليّة.

* الإصرار على زيارة الأربعين.. رغم التضييق
للأئمّة عليهم السلام مكانة خاصّة في قلب السيّد عبّاس الموسويّ (رضوان الله عليه)، إذ كان يجتاز يوميّاً مسافة 2.5 إلى 3 كلم سيراً على القدمين من بيته لكي يزور مقاماتهم المشرّفة.

في العام 1977م، قامت دعوات في أربعينيّة الإمام الحسين عليه السلام للذهاب إلى كربلاء. ومع أنّ النظام العراقيّ حينها كان يمنع أداء هذه الزيارة، إلّا أنّ مجموعات كبيرة أصرّت على ذلك، ومن بينهم سماحة السيّد عبّاس (رضوان الله عليه) أيضاً، وقد انضمّ إلينا أيضاً طلّاب لبنانيّون آخرون. شكّلنا مجموعة من 15 طالباً. خلعنا ثيابنا الدينيّة وعمائمنا، وارتدينا عباءات (دشاديش) ووضعنا حطّة على رؤوسنا، متل الإخوة العراقيّين، وأخذنا أغطية ثقيلة تقينا البرد القارس، ومضينا. وبهدف اعتراض طريق الزوّار، أطلقت دبّابات النظام وطائراته النار على الناس الذين كانوا يسلكون الطريق المُعبّد. أمّا نحن، فقد سلكنا الطريق النهريّ، ولم نتعرّض إلى إطلاق النار.

* شجاعة حيدريّة
نجونا من رصاص النظام، ودخلنا النجف بسلام. ولكنّ حاجزاً للمخابرات العراقيّة اعترض طريقنا. طلب منّا السيّد عبّاس (رضوان الله عليه) الوقوف جانباً، فيما تولّى بنفسه التصدّي للعناصر ومواجهتهم بكلّ جرأة وشجاعة، وراح يصرخ في وجه الضابط، ويهدّد العناصر. وبحمد الله، استطعنا بسبب موقفه الصارم ذاك أن نعبر الحاجز بسلام، ونواصل طريقنا تُجاه المقام، كما كان مخطّطاً.

* مرحلة جديدة
منذ ذلك الوقت، أي بعد وقوع تلك الحادثة، انقلبت الأحوال رأساً على عقب، وبدأ الخطر يتهدّدنا؛ إذ راح عناصر النظام يلاحقون العلماء وطلّاب الحوزات من مختلف الجنسيّات، ويعتقلونهم، وبدأت معها مرحلة طرد الطلّاب اللبنانيّين من النجف إلى لبنان.

أمّا السيّد عبّاس (رضوان الله عليه)، فقد حضر في شهر محرّم في أواخر العام 1977م إلى بلدته النبيّ شيث للتبليغ. وكان من المقرّر أن يعود إلى العراق خلال أسبوعين، ولكنّ الأجواء المتوتّرة في النجف، حالت دون عودته، فبقي في بلدته، ليبدأ منذ ذلك الوقت مرحلةً جديدة من الجهاد.


(*) من مقابلة أجرتها قناة المنار مع سماحة السيّد حسن نصر الله (حفظه الله)، بتاريخ 23/02/2022م.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع