نور روح الله: سـورة التوحيـد: بشارة آخر الزمـان مع إمام زماننا: القضـاء فـي المدينـة المهدويّـة (*) كيف نربّي جيلاً ولائيّاً؟ من ولايتهم عليهم السلام: التوسّل بهم من ولايتهم عليهم السلام: اتّباعهم الجيوش الإلكترونيّة.. ساحة حربٍ من نوعٍ آخر حول العالم آخر الكلام: يكفي ظلّه مع الإمام الخامنئي: الجهاد في حياة الإمام السجاد عليه السلام مع إمام زماننا: كمال العقل في الحكومـة المهــدويّة (*)

الأسرة وتعزيز الهويّة الجنسيّة

نسرين نصر


تنتشر في الآونة الأخيرة مظاهر اجتماعيّة غريبة؛ من قبيل الشابّ الذي يسدل شعره على كتفيه، ويتزيّن باكسسوارات كثيرة، ويرتدي سراويل ضيّقة، كما لو كان فتاة! وكذلك الفتاة التي ترتدي ملابس وأحذية رجاليّة، وتتصرّف وتتحدّث، كما لو كانت رجلاً! ناهيك عن كثير من الأفكار الخاطئة التي بات يعتنقها الشباب من كلا الجنسين؛ فها هي إحدى الشابّات تقول: "أنا أعشق أمّي جدّاً، فهي إنسانة كاملة بعكس أبي. لقد علّمتني أن لا أثق بأيّ رجل؛ فالرجال لا يفهمون النساء، ولا يعرفون بماذا يفكّرن".

سواء كانت سلوكيّات أو أفكاراً، فكلّها تدلّل على وجود اضطراب وخلل كبير؛ يسمّى باضطراب الهويّة الجنسيّة، والذي قد يكون سبباً للشذوذ الجنسيّ. فما هي أسباب هذه الظاهرة؟ ما هو دور الأسرة في وقاية الأبناء من هذه المشكلة؟
 

أسباب اضطراب الهويّة الجنسيّة
إنّ التعرّض لريح الحرب الناعمة الثقافيّة، وما يتخلّلها من ازدياد الانفتاح على الثقافات كافّة، من أكثر التهديدات التي نواجهها في الوقت الراهن، بسبب:

1- المسلسلات والبرامج الغربيّة، والفرق الغنائيّة التي ساهمت في سهولة تسلّل الأفكار بطريقة انسيابيّة ومنمّقة، وجلّها تعزّز مفهوم الحرية والسلام كمرحلة أولى، ليتمّ بعد ذلك ربطها بالحريّة الشاملة، والتي تشمل حريّة اللّباس والأفكار والميل الجنسيّ.

2- اجتياح وسائل التواصل الاجتماعيّ، وخصوصاً التيكتوك لهواتف الأبناء، بكلّ مضامينه المنحرفة والشاذّة، التي تروّج لتضييع هويّة الجنسَين وجعلهما متقاربَين إلى حدّ كبير.

تعزيز الهويّة الجنسيّة لدى الطفل
إن أردنا تجنيب أطفالنا خطر التعرّض إلى الأوبئة المجتمعيّة المؤذية، فعلينا العمل على تدعيم بعض القيم في نفوسهم وشخصيّاتهم؛ لأنّها كفيلة وحدها في مساعدة الطفل على التمييز بين الصحّ والخطأ، وفي التحكّم برغباته وغرائزه، وتحقيق التكيّف الذاتيّ والاجتماعيّ.

ومن أهمّ طرق تعزيز الهويّة الجنسيّة لدى الطفل:

1- القدوة: من المعروف أنّ الصغار يقلّدون الكبار. لذلك، فإنّ دور الأهل هو الانتباه إلى أنّ غرس هذه القيمة، يتطلّب تقديم نموذج جيّد منهم أوّلاً. فعلى الأمّ مثلاً، أن لا تتجاوز بطريقة لباسها داخل المنزل حدود المألوف، ويجب أن لا يتلفّظ الأهل بعبارات جنسيّة أمام الأطفال، والأهمّ من ذلك عدم تشويه صورة أحد الوالدين وتعميمه على جنسه، كأن تكرّر الأمّ على مسامع ابنتها أنّ "أباك ككلّ الرجال، كاذب خائن وأنانيّ ولا يتفهّم ما أشعر به"، أو وصف الأب لزوجته أمام الأبناء أنّها "ككلّ النساء غبيّة وتافهة"؛ لأنّ هذا التشويه يؤسّس لدى الطفل شعوراً، بأنّ الجنس الآخر لن يحقّق الإشباع النفسيّ له، فيتوجّه إلى شخص آخر من الجنس نفسه؛ لأنّه يشبهه نفسيّاً، ويتفهّمه عاطفيّاً ويوازيه عقليّاً.

2- احترام مراحل الأبناء العمريّة وحاجاتها: تشكّل الأمّ مصدر الحبّ الأوّل والأهمّ للطفل، سواء كان فتاةً أو صبيّاً. ولكن، عندما يبدأ الصبيّ في بناء استقلاليّته وهويّته الجنسيّة بشكلٍ صحيح، يجب أن تخفّف من تعلّقها الزائد به، وتفويض بعض الأدوار إلى الأب؛ إذ على الأخير لعب هذا الدور بكلّ صبر ومثابرة، حتّى لا تتزعزع حالة الطفل النفسيّة وتتشوّه أدوار والديه. والأمر نفسه ينطبق على الفتاة؛ فعندما يتحوّل الأب إلى عنصر سلبيّ داخل المنزل، تتعلّق بأمّها أكثر، فتنفر من الأدوار الذكوريّة.

3- الشفافيّة والحوار: الحياء لا يعني تجنّب الأحاديث مع الأبناء، بل على العكس، إنّ زرع القيم يستوجب توعية مستمرّة ومتواصلة من قِبل الأهل، والإجابة على أسئلة الطفل بشكلٍ صحيح بما يتناسب مع عمره، وعدم إعطاء إجابات خاطئة أبداً، وفي حال حيرة الأهل، يمكنهم تأجيل الإجابة إلى اليوم التالي، ريثما يتمّ البحث عن إجابة شافية، مع ضرورة التأكيد على أن يكون الأب هو من يقدّم المعلومات الجنسيّة للصبيّ، والأمّ هي من تقدّمها للفتاة.

ويجب على الأهل مناقشة أيّ مشهد تلفزيونيّ أو موقف اجتماعيّ شاذّ أو فاقع مع أولادهم، وعدم الخجل من ذلك. وعلى الأهل أيضاً الانتباه إلى سلوكيّات الحلقة الاجتماعيّة المحيطة بالطفل (الأصدقاء، والأقارب)، والتأكّد أنّها تتماشى مع منظومتهم الأخلاقيّة. وفي حال كان ثمّة تناقض بين ما يقدّمونه من قيم وبين سلوكيّات من حولهم، عليهم الإيضاح لأطفالهم أنّ ما يفعله الآخرون، لا يتناسب مع القيم الاجتماعيّة والدينيّة، وإيضاح سلبيّاته.

4- تهيئة الطفل لاحترام الخصوصيّة: على الأهل البدء بغرس مفهوم الخصوصيّة لدى الطفل منذ إتمامه العامين؛ بتعليمه أنّ ثمّة أماكن خاصّة في جسده لا يجب على أحد رؤيتها، سوى الوالدين، حتّى سنّ معيّن طبعاً، وأن لا يسمح لأحد بلمسه في هذه الأماكن الخاصّة. كما لا بدّ من احترام الطفل وإعطائه مساحته الشخصيّة، حتّى يتفهّم مبدأ خصوصيّة الآخر، ويصبح معتاداً على مفهوم الاستئذان قبل الدخول إلى غرف الآخرين، ممّا يحميه من رؤية ما لا يتناسب مع وعيه، ويخلق له استفسارات مربكة لعمره.

5- تنمية الهويّة الجنسيّة للأبناء: إنّ خصوصيّة الصبيّ والفتاة من أهمّ الأمور الوقائيّة التي يجب العمل عليها، وهي تبدأ من عمر صغير جدّاً، وتشمل:

أ- تعزيز الاختلاف بين الجنسَين في اللباس والمظهر وحتّى الأسماء، من قبيل: عدم إطالة شعر الصبيّ أو تقصير شعر الفتيات، واختيار الألعاب التي تتناسب وجنسهم؛ فقد ذكرت دراسة لـ"ألكنسدر وودس" أنّ الفتيات الرضّع ينجذبن إلى ألعاب الدمى أكثر من الشاحنات؛ لذا من المهمّ تعزيز هذا الدور، وتجنّب التركيز مثلاً على القدرات الرياضيّة فقط وإهمال اللّعب بألعاب كهذه. وبالنسبة إلى الصبيّ، من المهمّ أيضاً تشجيعه على الانخراط في الألعاب الذكوريّة، ولو كان لا يفضّل ذلك، وعدم مناداته بأسماء أنثويّة من باب الدلع، ولا حتّى مناداة الفتاة بـ"أبو علي" أو "حسن صبي" مثلاً.

وفي هذا المجال، نذكر مثالاً عن فتاة كانت تملك موهبة في لعب كرة القدم، وكان أهلها دائماً ما يتباهون بها ويقولون إنّها "أبو علي"، وستغلب أقرانها من الصبيان. وقد شكّل لها هذا الأمر لاحقاً اضطراباً على صعيد الهويّة الجنسيّة.

ب- كما يفضّل أن تكون المهام المطلوبة منهما متناسبة مع مميّزات جنسيهما؛ كأن يُطلب من الصبيّ المساعدة في المهامّ التي تتطلّب جهداً، أو تحتاج إلى خروج من المنزل. وثمّة الكثير من الشبّان الذين يعانون من اضطراب في الهويّة الجنسيّة بسبب هذا الأمر، وهم يتحدّثون بفخرٍ كيف كانوا يساعدون والدتهم في الأعمال المنزليّة عوضاً عن أخواتهم.

مضافاً إلى ذلك، ثمّة من كان يعاني من اضطراب في الهويّة الجنسيّة؛ لأن خالاته وأخواته كانوا يلبسونه ملابسهنّ وأحذيتهنّ النسائيّة "لأن كتير بيلبقولك"!

6- الرقابة الأبويّة الحكيمة: خصوصاً فيما يتعلّق بمشاهدة التلفاز واستخدام الإنترنت؛ إذ على الأبوين أن يكونا العين الرقيبة على ما يشاهده الأبناء من برامج، وما يستخدمونه في وسائل التواصل الاجتماعيّ، التي تُعدّ من أكثر الموارد التي قد تضرب المنظومة القيميّة لدى الطفل، فتجعله يعتاد على قيم سلبيّة لا تشبه واقعه، مضافاً إلى أنّها مصدر خطر قد يعرّض الطفل للأذى الجسديّ والمعنويّ (كالتحرّش والابتزاز).

ومن المهمّ أن يلحظ الأهل لباس المراهق والمراهقة، ويتداركوا أيّ انحراف في بداياته. ولا مانع من استشارة ذوي الاختصاص؛ لمعرفة إن كانت هذه التغيّرات تحتاج إلى تدخّل علاجيّ أم لا.

توصيات تعزّز القيم
وفي ما يأتي، بعض التوصيات التي من شأنها أن تعزّز غرس تلك القيم في نفوس أبنائنا، فتنعكس سلوكاً إيجابيّاً، ومنها:

1- أن يكون الهدف من غرس القيم الأخلاقيّة عند الطفل ليس تحويله إلى مصدرٍ للثناء الاجتماعيّ، بل أن يتعلّم أنّ هذه القيم تمثّلنا كأسرة وتتوافق مع طاعة الله؛ فذلك له أثر بالغ في جعل الأهل النموذج القدوة.

2- عدم السماح للطفل بالمبيت إلى جانب الأمّ بعد سنّ الخامسة كأقصى حدّ، وذلك للسماح له ببناء هويّة جنسيّة سليمة.

3- تعزيز الاختلاف بين الجنسَين لا يعني أبداً التمييز بينهما، بل يعني أن يتماهى كلٌّ منهما مع أدواره.

4- على الأهل أن يكونوا حازمين في تقنين ساعات استخدام أطفالهم وسائل التواصل؛ لأنّها حاليّاً من أكثر المخاطر التي تهدّدهم.

5- في حال تعرضّ الطفل، لا سمح الله، للتحرّش؛ فمن المهمّ إخضاعه للعلاج؛ لأنّ تجربة التحرّش من أكثر الحوادث التي تشوّه الميول الجنسيّة لديه، فيبني عليها توقّعاته من العلاقة الجنسيّة؛ فإذا تعرّض الصبيّ لتحرّش من رجل، قد يعدّ هذه التجربة خياره الوحيد. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الفتيات، إذ ينفرنَ من الرجال بسبب المتحرّش بهنّ، فيبحثن عن الأمان مع الجنس المشابه!

بحبّ ومتابعة
في الختام، علينا دوماً خلق مساحة من الحبّ والأمان مع أطفالنا؛ حتّى يبوحوا لنا بأسرارهم ومشاكلهم بصراحة، دون أن ننسى المتابعة اليوميّة لهم ومعرفة أحداث يومهم، دون إشعارهم أنّهم محاصرون بالأسئلة المتعاقبة.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع