مع الإمام الخامنئي | الحجّ: لقاءٌ وارتقاء* نور روح الله | الإمام عليّ عليه السلام الحاكم العادل* فقه الولي | فقه الرياضة (2) أخلاقنا | أين الله في حياتك؟* لماذا غاب الإمام عجل الله تعالى فرجه حتّى الآن؟ (1)* مجتمع | أب الشهيد: ربّيته فسبقني إلى الشهـادة صحة وحياة | كي لا يقع أبناؤنا ضحيّة المخدّرات تاريخ الشيعة | بيروت والجنوب في مواجهة الصليبيّين أذكار للتخلّص من الهمّ والضيق مناسبة | من أرض مكّة دحاها

تربية: تأديب الأبناء تحت المجهر


تحقيق: يمنى المقداد الخنسا


ما زالت بعض المفاهيم التربوية الخاطئة منتشرة في بعض الأسر، وتطبيقها يتباين وفقاً لتباين مستوى الوعي الثقافي والتربوي عندهم. وكلّما كان الأهل مدركين لمبادئ التربية السليمة، كلَّما تناغمت تربيتهم مع أهدافها المرجوة، وأهمّها تكوين شخصية سوية للأبناء لا زعزعتها وتعنيفها ممّا يحرف التربية عن مسارها.

فالأسرة هي أوّل بيئةٍ حاضنة للطفل. وكثيراً ما يحكم الأهل على أولادهم بالعقاب وينسون للحظات أنَّ الطفل لا يتعمد الخطأ أحياناً لأنّه يتصرف وفقاً للسلوك الّذي تعوّد أن يراه من بيئته ومحيطه. والعقاب الصحيح تحكمه شروط وضوابط يجب الالتزام بها، ومن أهمِّ شروطه ما روي عن الرسول صلى الله عليه وآله أنّه نهى عن الأدب عند الغضب(1).

ففي الانفعال تسيطر العاطفة ويغيب العقل. كذلك فإنّ تربية الأبناء ضمن مفهومي الثواب والعقاب أمر دقيق، فالدلال المفرط في مكافأة الأبناء قد يتحوَّل غروراً وابتزازاً وكذلك العقاب المفرط يحوّل التربية إرهاباً.


* كيف نكافئ أو نعاقب أولادنا؟
* طبيعة الولد تحدّد طبيعة المعاملة

تحدثنا مع الأهل عن كيفية معاقبة أو إثابة أبنائهم فكان لكل منهم طريقة وأسلوب يختلف فيه عن الآخرين، وفيما يلي بعض ما قالوه. بلال ن. (43 سنة، تاجر، أب لأربعة أبناء) قال: "أكافئ أولادي بنزهة إلى مكان يحبونه أو بإحضار الهدايا لهم خاصة عند نجاحهم في دراستهم، وقد أعطيهم نقوداً ليشتروا بها ما يحبون". أمّا عن طريقته في معاقبتهم فقال: "أعاقبهم عندما لا يلتزمون بكلامي من خلال التأنيب وأحياناً التجريح بالكلام لكن دون استعمال الكلمات اللاأخلاقية، وأحياناً أخرى قد أحرمهم من مصروفهم اليومي". بلال نادراً ما يستخدم أسلوب الضرب كما قال، لافتاً إلى أنّ لكلّ ولد طريقة في المعاملة، وأضاف: "هناك أولاد يفهمون بالنظرة أو بالكلمة وآخرون لا يرتدعون عن فعل السوء إلا بالضرب فأسلوب العقاب تحدده طبيعة الولد وطباعه". 

أعاقبهم بسحب المحفزات منهم  تقول سلوى م. (39 سنة، معلمة مدرسة، أُمّ لثلاثة أبناء): "عقابي لأولادي يكون من خلال سحب المحفزات منهم، فأحياناً أحرم ولدي الصغير من شراء لعبة يحبها". أمّا بالنسبة لأولاد سلوى المراهقين فعقابهم يكون بحرمانهم ومنعهم من القيام بالأمور التي يحبونها.  أسلوب سلوى هذا اعتمدته مع أولادها منذ الصغر لأنّ استعماله عند الكبر برأيها لا يؤدّي إلى أيّة نتيجة، أمّا عن الضرب فقالت: "كنت أستعمله في بعض الأحيان، بعد سن السادسة، ودون أن يكون مؤذياً وفي أماكن محدّدة أجازها الشرع كي يرتدع الطفل عن القيام بسلوكيات سيئة". أمّا عن مكافأة سلوى لأولادها فقد قالت: "أكافئهم ضمن ضوابط وشروط أضعها لهم".

* لم أضرب أولادي يوماً

هادي س. (38 عاماً، موظف، أب لولدين في سن المراهقة) عن المكافأة قال: "أكافئهما بهدية أو رحلة وأحياناً تكفي الكلمة الحلوة، فليس من الضروري مكافأة الأبناء على كل عمل جيد يقومون به، فهناك أمور يجب أن يتصرفوا فيها بشكل جيّد لأنّها يجب أن تكون من سلوكياتهم". وعمّا إذا كان هادي يستخدم الضرب كأسلوب للعقاب مع ولديه قال:  "أنا بطبيعتي هادئ وعودتهما على الهدوء في حل المشاكل التي تواجههما. فطريقة تعاملي أنا ووالدتهما معهما منذ الصغر خالية من العنف لذلك إذا حصلت أي مشكلة كبيرة أو كانا عنيديَن ومصمّمَين على الخطأ فالعقاب يكون بحرمانهما من المصروف اليومي وذلك لفترة محدّدة فقط".

* أولادي أشقياء لا يخيفهم إلّا الضرب
زينب ح. (25 سنة، أمّ لثلاثة أبناء ربّة منزل): تضرب أولادها دائماً حتّى أمام الناس في الشارع، وعند سؤالها عن السبب خاصّة أنّهم ما زالوا صغاراً تقول: "لا يسمعون كلامي كما أنّهم أشقياء جداً وأضطر إلى ضربهم لكي يهدأوا، فلولا خوفهم منّي لما كانوا سمعوا كلامي ونفذوا ما أطلبه منهم".  إلّا أنّ ضرب زينب يكون قاسياً في بعض الأوقات، وقد يُحدث أذى للطفل وقد تعلّم أداة الضرب على جسمه، وعن هذا قالت: "لا أستطيع ضبط نفسي حين أضربهم ولكن بعدها أشعر بالندم على ما فعلت".

* أقاطعهم فيعتذرون منّي
سميرة ج. (43 سنة، أم لأربعة أولاد، ربّة منزل): "أكافئ أولادي على قيامهم بعمل جيّد برحلة أو أعدّ لهم الحلويات. وأحياناً يكفي العناق وأن أظهر لهم فرحتي وسعادتي بهم خاصّة أولادي الكبار". أمّا عن عقاب سميرة لأولادها فالطريقة تكون باعتماد أسلوب اللامبالاة معهم أي بإهمالهم، "فبعد ذلك يراجعون أنفسهم ويأتون إلي ويعتذرون منّي ويراضونني". وعن الضرب قالت سميرة: "نادراً ما أضرب وإذا ضربت فيكون بشكل خفيف جدّاً فأنا بطبيعتي عاطفية".

* دور الثواب والعقاب في التربية
للاطلاع على أهميّة وكيفية ودور الثواب والعقاب في التربية كان لنا لقاء مع الباحثة الإسلاميّة في الشأن التربوي والأسري الأستاذة أميرة برغل، حدّدت لنا من خلاله شروط وضوابط الثواب والعقاب في التربية.

س: يعتبر مبدأ الثواب والعقاب من أهمّ الأساليب التربوية الحديثة، ما هو تعريفهما وأهميتهما في التربية بشكل عام والتربية الإسلاميّة بشكل خاصّ؟

ج: الثواب هو حدث سارّ يؤدّي إلى زيادة احتمال تكرار حدوث السلوك موضوع الإثابة. والعقاب هو حدث منفِّر يؤدّي إلى إضعاف أو كف السلوك موضوع المعاقبة.  ويعتبر الثواب والعقاب من الوسائل المهمّة المساعدة على تعديل السلوك وبناء الانضباط الذاتي لدى الأولاد في العملية التربوية لدى الإسلاميين وغيرهم على حدٍ سواء.

س: كيف نكافئ أو نعاقب أولادنا وفقاً لاختلاف مراحلهم العمرية (الطفولة والمراهقة)؟
ج: لا ينفع الثواب أو العقاب إذا ما تمَّ بشكل فجائي أو عشوائي. ما يجب الحرص عليه هو أن يكون للثواب والعقاب قاعدة واضحة متفق عليها بين الوالدين والولد. وهذه القاعدة تقتضي:
1. معرفة الولد بوضوح ما هو السلوك المسموح به، وما هو السلوك المرفوض، ولماذا.
2. معرفة الولد بوضوح ماذا سوف يترتب على سلوكه من ثواب وعقاب ولماذا.
3. عند التزام الولد بالسلوك الصحيح نبدأ فوراً بالإثابة وفق المتفق عليه؛ على أن تكون الإثابة في المرة الأولى للالتزام بالسلوك الصحيح أكبر من غيرها ثمَّ تتضاءل كلّما كبرت سن الولد واعتاد على السلوك الحسن.
4. عند قيام الولد بسلوك مرفوض نبدأ فوراً بالعقاب المتفق عليه؛ على أن يكون العقاب متدرجاً من الأضعف إلى الأقوى في حال تكرار السلوك السيئ، مع الحرص على:
أ الثبات في تنفيذ المتفق عليه من ثواب وعقاب حتّى يتعدل السلوك السيئ ويتثبت السلوك الصحيح.
ب اختيار نوع الثواب والعقاب المتناسب مع المرحلة العمرية للولد (طفولة أو مراهقة).
ج في مرحلة الطفولة الوالدان يحدّدان السلوك والعواقب شرط أن تكون مبررة ومنطقية.
د في مرحلة المراهقة من الأفضل أن يعقد الوالدان والولد اتفاقية حول السلوك والعواقب على أن يكون ذلك منطقياً ومنطلقاً من قيم ومبادئ متفق عليها سابقاً.

س: متى يجب أن نكافئ أو نعاقب؟
ج: عندما نتأكد من أن الولد فهم جيداً ما نريده ويستطيع القيام به، وبعد أن نكون قد أبرمنا معه عقداً يوضح متى سيثاب ومتى سيعاقب وكيف.

س: ماذا نفعل كي لا تتحول المكافأة أو الثواب إلى ابتزاز أو استغلال من قبل الأبناء (مرحلتي الطفولة والمراهقة)؟ هل يمكن تجنب ذلك؟
ج: حتّى لا تتحوَّل المكافأة إلى ابتزاز علينا الالتفات إلى الضوابط التالية:
1. أن لا تكون المكافأة نتيجة شروط تفاوضية من قبل الأولاد كقول الولد: لن أدرس دروسي إلّا إذا أحضرت لي لعبة – لن أذهب لمساعدة أبي إلّا إذا أعطيتني مالاً وهكذا...
بل تكون المكافأة معطاة من الوالدَين تعبيراً عن سرورهما لالتزام الولد بما طلباه من سلوك وليس بشرط منه.
2. مع الصغار لا مانع من تحديد الإثابة مسبقاً والمداومة عليها لفترة طويلة نسبياً.
3. مع الكبار من الأفضل أن لا تكون الإثابة محدّدة في اتفاقية وأن لا تكون دائمة، بل يكون فيها عنصر المفاجأة، إذ على الكبار أن يدركوا أنّ من واجبهم فعل السلوك الحسن سواءً أخذوا مكافأة أم لم يأخذوا.

س: هل الأساليب التي سبق أن ذكرها الأهل للعقاب صحيحة؟ ما هي الأساليب التربوية الصحيحة للعقاب مع مراعاة اختلاف المراحل العمرية؟
ج: التوبيخ والصراخ والضرب وكل أسلوب ناتج عن الغضب أو الانفعال ليس أسلوباً عقابياً صحيحاً ولا يسهم في عملية التأديب.
الأساليب العقابيّة يجب أن تتدرج من التنبيه إلى التذكير إلى التحذير إلى المقاطعة فالحرمان من اللعب أو المصروف... إلى الحجز. وقد نضطر مع بعض الأولاد الصغار (قبل عمر المراهقة) وفي حالات محدودة جدّاً إلى الضرب ولكن بشرط أن لا يكون في لحظة غضب وأن لا يترافق مع الإذلال وأن يكون مؤلماً من دون أن يترك أثراً مضراً وإلّا استوجب الفدية (كالضرب على باطن اليدين أو القدمين). 

والأهمّ من ذلك توفر الشروط التي ذكرناها سابقاً مع وجود علاقة بين الأهل والأولاد مبنية على الحبّ والاحترام والحوار. وفي الختام من المفيد أن يتذكر الأهل دائماً الحديث الّذي ورد عن الإمام الكاظم عليه السلام، في نصيحته لأحد الآباء: "لا تضربه... واهجره ولا تطل"(2).


(1) الكافي، الشيخ الكليني، ج 7، ص 260.
(2) بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج101، ص99.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع