مع الإمام الخامنئي | الحجّ: لقاءٌ وارتقاء* نور روح الله | الإمام عليّ عليه السلام الحاكم العادل* فقه الولي | فقه الرياضة (2) أخلاقنا | أين الله في حياتك؟* لماذا غاب الإمام عجل الله تعالى فرجه حتّى الآن؟ (1)* مجتمع | أب الشهيد: ربّيته فسبقني إلى الشهـادة صحة وحياة | كي لا يقع أبناؤنا ضحيّة المخدّرات تاريخ الشيعة | بيروت والجنوب في مواجهة الصليبيّين أذكار للتخلّص من الهمّ والضيق مناسبة | من أرض مكّة دحاها

وصايا العلماء: هؤلاء شيعتنا (5)


آية الله الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي (حفظه الله)


تحدّثنا في الأعداد السابقة عن صفات وخصائص الشيعة الحقيقيّين في كلام المعصومين عليهم السلام. ونتابع في هذا المقال ما ورد عن أوصافهم، فهم عباد أتقياء لله، لا يتعلّقون بالدنيا على الإطلاق، ويستفيدون منها بمقدار الضرورة.

* صفات الشيعة: إيجابيّة وسلبيّة
بشكل عامّ، تندرج صفات الشيعة في محورين: إيجابيّ وسلبيّ.
- المحور الإيجابيّ هو الإتيان بالوظائف والتكاليف الإلهية: يقيمون الصلاة للوصول إلى القرب الإلهيّ، ويصومون، ويؤدّون الزكاة لأجل رضا الله، ويهتمّون بالتهجّد وإحياء الليل.

- أمّا المحور السلبيّ في سلوكهم فهو الابتعاد عن كلّ عمل يمنعهم عن الإتيان بالوظائف الإلهيّة، وتحصيل العلم، والتقوى، والعبادة والعبوديّة لله، وخلاصته عدم التعلّق بالدنيا.

* بريق الدنيا وأسباب المعصية
نحن نعيش في زمن تنشط فيه عوامل الشيطان أكثر ممّا يمكن تصوّره. وقد أظهرت الدنيا وجوهها الخادعة؛ ففاضت أمواج المفاسد الأخلاقيّة الآتية من الغرب على الدول الأخرى، فملأت الأماكن حيث تنتشر وتتّسع فيها يوماً بعد يوم.

وما يؤسَف له أنّ البيئة المحيطة بالمجتمع الإسلاميّ قد تأثّرت بهذه الأمواج المنحرفة والفاسدة. وإذا استمرّت هذه الحركة وازداد بريق الدنيا وأسباب المعصية، فإنّ الضرر سيلحق بثقافتنا الدينية. وممّا لا شكّ فيه أنّ اشتداد وانتشار العوامل الشيطانية وضعف وتضاؤل العوامل الإلهيّة والرحمانية، سيخبر عن الوضع المؤسف والمقلق للمجتمع الإسلاميّ. أمّا مَن المسؤول عن هذا الوضع وما هي نقاط قوّتنا وضعفنا، فهذا يجب البحث عنه في مكانه.

ما يجب التعرّض له هنا هو: ماذا نفعل كي لا نتأثّر بالعوامل الشيطانية؟ وما هو الدور الإيجابيّ الذي يجب القيام به للحفاظ على أنفسنا بعيداً عن أمواج الفتنة والفساد؟ في الحدّ الأقل، يجب أن نسعى لنجاة الأشخاص من الضلال حتّى لو كان عددهم قليلاً. لا شكّ في أنّ طريق البقاء في مأمن من أمواج الفساد المخرّبة ومواجهة الثقافة الغربيّة المظلمة والإلحادية، ليس سوى اللجوء إلى أنوار كلام أهل البيت عليهم السلام. فلا يجب أن يدفعنا الإحساس بالتكليف في اكتساب العلوم الإنسانيّة الأخرى، وصرف الوقت في تعلّمها، إلى افتقاد الفرصة للتعرّض لروايات وتعاليم المعصومين عليهم السلام الأخلاقيّة.

* شيعتنا مَن اشتدّ ورعه
تشكّل روايات أهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام حول خصائص الشيعة محور أبحاثنا وذلك في إطار التعرّف إلى معارف أهل البيت عليهم السلام والاطّلاع على الأجواء الذهنيّة للأئمة عليهم السلام وأصحابهم الخواصّ.

ينقل "أبو صباح الكنانيّ"، وهو من تلامذة وأصحاب الإمام الصادق عليه السلام، وقد حضر إليه في المدينة: "قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إنّا نُعَيَّرُ بالكوفة، فيقال لنا: "جعفرية"، قال: فغضب أبو عبد الله عليه السلام، ثم قال: إنّ أصحاب جعفر منكم لقليل، إنّما أصحاب جعفر من اشتدّ ورعه وعمل لخالقه"(1).
بناءً على هذه الرواية فإنّ الشيعة في الكوفة في زمان الإمام الصادق عليه السلام كانوا قلّة، وبما أنّهم كانوا شيعة جعفريّين كان المعارضون يتوجّهون إليهم بالقدح والتحقير.

حضر "أبو صباح" إلى الإمام الصادق عليه السلام في المدينة يشتكي إليه انزواء شيعة الكوفة وأذيّة المعارضين واحتقارهم لهم. ولعلّه كان ينتظر من الإمام عليه السلام المواساة وأنْ يخبره الإمام عليه السلام بالمقام المتعالي للشيعة عند الله. ولكن، على الرغم من اعتبار التشيّع عيباً وأنّ الشيعة محرومون من حقوقهم الإنسانيّة وأنهم واقعون تحت الظلم والتمييز، وخلافاً لتوقّعه أعلن الإمام عليه السلام عن غضبه من كون البعض يسمّون أنفسهم شيعة وينتسبون إلى الإمام الصادق عليه السلام من دون أن يكون لهم نصيب من فضائل وصفات الشيعة المتعالية، حيث خاطبه عليه السلام قائلاً: "إنّ أصحاب جعفر منكم لقليل، إنّما أصحاب جعفر من اشتدّ ورعه وعمل لخالقه".

* أهل الأمانة والوفاء
جمع المرحوم الشيخ الصدوق في كتاب "صفات الشيعة" روايات حول خصائص الشيعة الحقيقيّين ومنها رواية عن أبي بصير أنّ الإمام الصادق عليه السلام قال: "شيعتنا أهل الورع والاجتهاد، وأهل الوفاء والأمانة، وأهل الزهد والعبادة، أصحاب إحدى وخمسين ركعة في اليوم والليلة، القائمون بالليل، الصائمون بالنهار، يزكّون أموالهم، ويحجّون البيت ويجتنبون كلّ محرم"(2).

لا يقصد من "الاجتهاد" المذكور في الرواية باعتباره من صفات الشيعة معناه الاصطلاحيّ، بل معناه اللغويّ؛ أي السعي. الشيعة هم أصحاب الوفاء والأمانة، فإذا وَعدوا أو عقدوا اتّفاقاً، كانوا أوفياء لذلك، فليس من سيرتهم عدم الوفاء بالعهود والوعود. وهم أصحاب أمانة لا يخونون ما ائتمنوا عليه. أمّا قول الإمام عليه السلام إنّ الشيعة "يصومون النهار" فقد لا يكون المقصود أنّهم يصومون كلّ الأيام، بل لعلّ المقصود أنّهم يبذلون الجهد في الصوم حيث يعتبرون ذلك من جملة الأمور القيّمة. أما الصفة الأخيرة التي يذكرها للشيعة الحقيقيين: الامتناع عن كل معصية وعمل حرام.

* ترك الواجب معصية
ممّا لا شكّ فيه أنّ كلّ مَنْ جهد لإيجاد هذه الصفة في نفسه فقد عمل بكافّة واجباته وتكاليفه، مِن لوازم ترك المحرّمات، والإتيان بالواجبات؛ لأنّ ترك الواجب حرام وهو معصية، والذي يمتنع عن كلّ معصية وعمل حرام، فهو يمتنع عن ترْك الواجبات أيضاً. الذي يمتنع عن الحرام والمعصية، فهو يعتبر كلّ فعل حراماً كبيراً وعظيماً؛ لأنّ الاستخفاف بالمعصية والحرام يهيّئ الأرضيّة لارتكاب المعصية.


(1) بحار الأنوار، المجلسي، ج68، ص166.
(2) (م.ن)، ص117.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع