ضحى حمادي*
في العدد السابق من هذه السلسلة، استعرضنا القيم الأربعة الأكثر حضوراً في بيانات سماحة السيّد الإمام القائد مجتبى الخامنئيّ دام ظله، وهي: المقاومة، والولاية والقيادة، والشهادة، والأمّة. نواصل في هذا العدد استكمال هذه القراءة التحليليّة، متناولين قيماً محوريّة أخرى تكشف عن أعمق مضامين البيانات وأبعادها الاستراتيجيّة.
*الاستقلال
يرى القائد السيّد مجتبى أنّ «الاستقلال» الحقيقيّ لا يتحقّق بمجرّد طرد المحتلّ عسكريّاً، بل يستلزم قطع أشكال التبعيّة الغربيّة كافّة، الفكريّة، والثقافيّة، والاقتصاديّة، واللغويّة، وبناء سيادة ذاتيّة شاملة تحمي مقدّرات الأمّة. وتربط البيانات مفهوم الاستقلال بالقدرات الهوياتيّة والعلميّة والصناعيّة المتراكمة للدولة، عادّاً العلومَ المتقدّمة ثرواتٍ وطنيّة تحمي الاستقلال الحضاريّ؛ بحيث يشير إلى أنّ «المقاومة الغيورة والانتصار المشرّف في وجه عدوان وحوش العالم وشياطينه، قد جعلا الشعب أكثر استعداداً لصون استقلاله الحضاريّ ومواجهة الغزو اللغويّ والثقافيّ ونمط الحياة الأمريكيّ»، مؤكّداً أنّ «الشعب الإيرانيّ بأكمله، داخل البلاد وخارجها، يرى جميع قدراته الهوياتيّة والعلميّة والصناعيّة والتكنولوجيّة -من النانو والبيولوجيا إلى النوويّ والصواريخ-ثروة وطنيّة يجب حمايتها». ويتّضح من ذلك أنّ الاستقلال في رؤية القائد هو عمليّة بناء مستمرّة ومقاومة واعية تعتمد على الابتكار والاكتفاء الذاتيّ في حقول المعرفة والإنتاج، ما يعزّز قدرة الدولة على مواجهة الابتزاز الخارجيّ.
* القوّة
القوّة في منظور قائد الثورة دام ظله هي أداة لإحقاق الحقّ وحماية المظلومين، وليست غاية للتسلّط أو الهيمنة، بل تستند في جوهرها إلى التكامل بين الاقتدار العسكريّ والعمق العقديّ والشعبيّ. وتقدّم البيانات مفهوم القوّة من خلال استعراض تطوّر المنظومة العسكرية (من صواريخ، ومسيّرات، وقوّات بحريّة) بالتوازي مع تنامي البصيرة الشعبيّة، موضحاً كيف استطاعت هذه القوّة كسر هيبة الجيوش الإرهابيّة الكبرى؛ إذ يشير بفخر إلى أنّ «جيش الإسلام، كما في الحربين المفروضتين السابقتين، يدافع ببسالة عن الأرض والمياه والراية... ويشتبك مع جيشَي رأس جبهة الكفر والاستكبار، كاشفاً ضعفهما وذلّهما أمام أنظار العالم». ويُستخلص من ذلك أنّ القوّة في فكر سماحته هي قوّة رادعة ومبتكرة تهدف بالدرجة الأولى إلى حماية السيادة الإقليميّة وإحباط خطط التقسيم والتفتيت التي تقودها القوى الكبرى وحلفاؤها في المنطقة.
* مواجهة الاستكبار
ترتكز البيانات على حتميّة المواجهة مع الاستكبار العالميّ (المتمثّل بأمريكا وإسرائيل) كواجب شرعيّ وتكليف إنسانيّ لا يقبل المساومة أو التراجع تحت أيّ ظرف من الظروف. ويعتمد قائد الثورة دام ظلهلغة حازمة تكشف الوجه الحقيقيّ لقوى الاستكبار عبر إبراز جرائمهم واستهدافهم للأطفال والمساحات البيئيّة. وفي الوقت نفسه يُبشّر بتراجع هيبتهم وتآكل نفوذهم بفعل ضربات جبهة المقاومة؛ إذ يؤكّد أنّ «شجاعة الشعب والشباب في جنوب إيران في رفض الهيمنة الأجنبيّة... أصبح واضحاً... والوجود الأمريكيّ في الخليج الفارسيّ هو العامل الأساسيّ لعدم الاستقرار»، جازماً بأنّ «الموت لأمريكا» و»الموت لإسرائيل» سيكونان شعار الأمّة الإسلاميّة والمظلومين في العالم، وخاصّة الشباب». ويشير السيّد القائد إلى أنّ استراتيجيّة مواجهة الاستكبار تسعى إلى تفكيك الرعب النفسيّ الذي تحاول القوى الكبرى فرضه، وتحويل المواجهة إلى فعل جماهيريّ واعٍ ومستمرّ يطال شتّى جوانب الحياة اليوميّة.
*النصر الإلهيّ
يُعدّ «النصر الإلهيّ» في بيانات السيّد مجتبى الخامنئيّ دام ظله، وعداً قطعيّاً وحقيقة غيبيّة ترتبط بمدى التزام الأمّة بتكاليفها وإخلاصها في جهادها واستقامتها وصبرها على الشدائد. وتُؤطّر مسألة النصر ضمن الرؤية الإلهيّة للكون، بحيث يتجاوز التقدير الماديّ للأحداث، ليؤكّد أنّ الصمود والتوكّل والإخلاص هي العوامل الحقيقيّة، الكفيلة باستجلاب المدد الغيبيّ ونيل الفتح المبين؛ إذ يوصي القائد الجماهير: «وأن نعقد القلوب على البشارات والوعود الإلهيّة»، موضحاً أنّ «طريق الوصول إلى العدالة ومكافحة الظلم والفساد طريقٌ شاقّ، ولكنّه سيتيسّر عبر الإخلاص والتوكّل، ومراعاة التقوى في أرفع مراتبها». ويمثّل النصر الإلهيّ الركيزة النفسيّة الصلبة التي تمنع تسرّب اليأس أو الإحباط إلى قلوب الحاضرين في الساحات، ما يجعل الأمّة قادرة على تحمّل أعباء الحروب المفروضة الطويلة ومواصلة الكفاح بثبات.
*الهويّة الإسلاميّة
تطرح البيانات «الهويّة الإسلاميّة الأصيلة» كمرجعيّة ثقافيّة وحضاريّة تمنح الفرد والمجتمع المناعة الكافية ضدّ الاختراق والتشويه والاستلاب الغربيّ الهادف لمسخ القيم. ويتمّ تفكيك الهويّة في البيانات عبر ربطها بالسلوك الفرديّ والاجتماعيّ، واللغة الفارسيّة كوعاء حضاريّ، وتجسيد القيم الدينيّة والأخلاقيّة في المدارس وميادين العمل لتربية أجيال واعية؛ بحيث يدعو القائد إلى السعي «عبر رسم معالم الهويّة الإسلاميّة الإيرانيّة وترسيخها أكثر فأكثر في عقول شباب هذه البلاد ونفوسهم على يد المربّين والمعلّمين»، مضيفاً «إنّ اللغة والأدب الفارسيّين يمثّلان واحدةً من أعظم الطاقات لنشر الثقافة والحضارة الغنيّة لإيران الإسلاميّة على المستوى العالميّ». وتشير القراءة التحليليّة لبيانات القائد إلى أنّ صيانة الهويّة وحمايتها من «الغزو اللغويّ والثقافيّ ونمط الحياة الأمريكيّ» تعدّ خطّ الدفاع الأوّل والأساسيّ لحفظ تماسك الدولة وروحيّتها الثوريّة المتجدّدة.
* المسؤوليّة الحضاريّة
يرى القائد السيّد مجتبى دام ظله أنّ الثورة الإسلاميّة تحمل أمانة ومسؤوليّة تاريخيّة لصياغة نظام إقليميّ ودوليّ جديد يتخلّص من الهيمنة القطبيّة، ويمهّد لإقامة دولة العدل الإلهيّ في الأرض. ويربط القائد تضحيات الشعب الإيرانيّ وحضور جبهة المقاومة بالتمهيد لظهور الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، واضعاً الأحداث السياسيّة والعسكريّة الراهنة في سياق حركة التاريخ الكبرى نحو التغيير الحضاريّ الشامل؛ إذ يشير إلى أنّ يوم الظهور سيشهد مرافقة «نجوم من الصدّيقين والشهداء والأولياء» لبقيّة الله عجل الله تعالى فرجه الشريف، معرباً عن أمله في أن يكون السيّد الشهيد (علي الخامنئيّ) أحد هؤلاء، ليعيد رسم مشاهد واعدة وخالصة من الجهاد والوفاء بعهد «ألست». مشدّداً على أنّ «هذه السلسلة من الانتصارات التي تحقّقت بفضل الله في ظلّ سياسات المقاومة ستشكّل بداية نظام إقليميّ ودوليّ جديد». وعليه، فإنّ الرؤية الحضاريّة للسيّد مجتبى تمنح النشاطات السياسيّة والعسكريّة والاجتماعيّة غايات روحيّة سامية، تتجاوز المكاسب المادّيّة اللحظيّة لتتّصل بالآفاق التاريخيّة والمستقبليّة البعيدة.
أمّا من ناحية الأبعاد الثوريّة التي تضمّنتها بيانات سماحة القائد الإمام مجتبى الخامنئيّ دام ظله، فسنطرحها في العدد القادم بإن الله.
*باحثة في القضايا السياسيّة الإسلاميّة.