القيم في بيانات القائد السيّد مجتبى الخامنئيّ دام ظله (2) فقه الولي | من أحكام ضمان بعض الضرر أو عدمه قصّة | جسدٌ نَحيل وصيّة الشهيد علي فنيش (أبو ياسر): الصلاة في أوّل وقتها تحقيق | ما عرفناه حتّى... الشهادة حربٌ واستغلال: رحلة البحث عن بيت للإيجار الجنديّ الأمريكيّ: بطلٌ في السينما ومجرمٌ مأزومٌ في الواقع القيم في بيانات القائد مجتبى الخامنئي (حفظه الله) الدمعة الحسينيّة: حينما يصنع الألم وعياً وشفاءً القصيدة الحسينيّة..تحوّلات بين المنبر والساحة

قواعد قرآنيّة في تثبيت القلوب (3): ما زادهم إلّا إيماناً

الشيخ بلال حسين ناصر الدين


في العدد السابق، توقّفنا عند قاعدة أنّ المكر السيّئ لا يحيق إلّا بأهله، وأنّ عاقبة مكر الأعداء ستعود عليهم حتماً. أمّا في هذا العدد، فننتقل من حال الأعداء إلى حال المؤمنين عند اشتداد البلاء؛ بحيث تتجلّى قاعدة قرآنيّة أخرى في تثبيت القلوب؛ وهي أنّ الشدائد لا تزيد المؤمنين الصادقين إلّا إيماناً وتسليماً.

*البلاء العظيم في معركة الأحزاب
يقول الله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب: 22). وردت هذه الآية الكريمة في سياق الحديث عن معركة الأحزاب أو الخندق، حيث يصوّر الله تعالى الموقف بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا * وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا * وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا * وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا * قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا * قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ (الأحزاب: 9-17).

تتحدّث هذه الآيات الكريمة عن معركة الأحزاب، حيث تحزّبت قريش وقبائل العرب لمقاتلة المسلمين، وكانوا يتفوّقون عليهم في العدد والعتاد. وقد بلغ الموقف من الشدّة أن زُلزل المؤمنون زلزالاً شديداً، كما قال الله: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ (الأحزاب: 11)؛ فالاختبار لم يكن سهلاً.

*ما الذي حدث في هذا الموقف؟
لقد انقسم المقاتلون المسلمون، فكان منهم المنافقون، ومنهم الذين في قلوبهم مرض، كما تشير الآية: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (الأحزاب: 12).

وتفصيل هاتين الفئتين كالآتي:

أ. المنافقون: أمرهم واضح، وهم في حكم الكفّار.

ب. وأمّا أولئك الذين في قلوبهم مرض: فهم مؤمنون أصاب قلوبهم الضعف؛ فلمّا وقعوا في الملمّة ورأوا جيش العدوّ قويّاً وكبيراً، قالوا: هلكنا، نحن ضعاف، لا نستطيع مقاومتهم.

وهذه من أبرز الأمور التي حذّر منها الله عزّ وجلّ، ونعني بذلك الذين يوقعون الضعف في قلوب الناس، وقد سمّاهم الله في إحدى الآيات بـ»المرجفين في المدينة»(1). كانت مهمّة هؤلاء المرجفين أن يثبّطوا العزائم بقولهم: «ما حيلتنا أمام العدوّ؟ وهل سنقدر على قتاله؟ انظروا كيف أصبح حالنا، والعالم كلّه ضدّنا، ونحن مضيّق علينا، فلماذا نستمرّ في القتال؟». فيشعر المرء كأنّ العدوّ قد سيطر عليه وغلبه، وأنّه لم يعد لديه قدرة على القيام والمواجهة.

*لا مؤثّر إلّا الله
هذا يذكّرنا بما حدث في نكسة حرب الأيّام الستّة (1967م)، حيث سقط الكثيرون معنويّاً لأنّهم لم يؤمنوا بسنن الله حقّ الإيمان، ولذلك، في قلوب هؤلاء مرض. وعندما وقعت الملمّة الكبرى باستشهاد سماحة السيّد عبّاس الموسويّ (رضوان الله عليه)، زلّت أقدام أناس لدرجة أنّهم قالوا: «لقد انتهينا»، وأشاعوا في العالم أنّنا انتهينا، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ (الأحزاب: 13)، فكأنّ الأمر قد حُسم، وتوقّفوا عن القتال. وهذا يشبه تماماً ما يقوله اليوم أعداء المقاومة: «نحن لا نقوى على مواجهة إسرائيل، وإنّكم تجلبون الحرب على لبنان»، متنازلين عن المبادئ كلّها بحجّة أنّ الخصم أو العدوّ قويّ، فيجب الاستسلام له.

والحقيقة: أنّ هذا المفهوم من أكبر الأكاذيب في العالم، فالله، جلّ وعلا، بهذه المحن، يميز الخبيث من الطيّب، ويحمي المؤمنين.

أمّا المؤمنون الصادقون في معركة الأحزاب، فقالوا عندما رأوا جيوش الشرك: ﴿هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب: 22)، فصقلت الشدّة إيمانهم الذي لا يتزعزع. وهذا اليقين هو الذي عاشه الإمام الخمينيّ قدس سرهتجربة حيّة، فعندما جاءوا إليه وأخبروه عن سقوط آلاف الشهداء وعن قوّة طائرات العدوّ، قال لهم: «أكملوا»؛ لأنّه لم يكن يعير أهميّة لتلك الطائرات والأسلحة التي كان الشاه وأعوانه مدجّجين بها، بل كان يرى أنّ الله هو الذي ينصر عباده. وقد لخّص هذه الرؤية في مقولته الشهيرة: «اكتب بحبر عقلك على صفحة قلبك أنّه لا مؤثّر في الوجود إلّا الله»(2).

*الإيمان اعتقاد وعمل
عندما نتحدّث عن الإيمان، يلفتنا قول الله عزّ وجلّ في إحدى آياته: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ (النساء: 136). وقد يتساءل المرء هنا ويقول: حسناً، أنا مؤمن، فبماذا أؤمن بعد؟

الجواب: إنّ الإيمان ليس مجرّد اعتقاد فكريّ، بل يجب أن يترجم إلى فعل قلبيّ وسلوكيّ. انظر إلى إبليس مثلاً، إذ يمكن عَدُّه من الناحية الفكريّة «مؤمناً»؛ فهو يؤمن بأنّ الله خالق وحاكم وقادر، ويؤمن بربوبيّته، وبهذا يتفوّق على الملحدين فكريّاً. لكنّ إيمانه هذا لم يدفعه إلى الطاعة والتسليم. من أجل ذلك، يرشدنا الله إلى تعميق إيماننا، فلا يكفي أن أقول: «أتوكّل على الله»، ثمّ أظلّ قلقاً وأضع أملي كلّه في فلان من الناس، معتقداً في قرارة نفسي أنّه إن لم يساعدني فلان، فقد انقطعت الآمال وضاقت السبل. إنّ التوكّل الحقيقيّ يقتضي صدقاً من صميم القلب، وهذا هو جوهر دعوة الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾، وهو ما جسّده الإمام الخمينيّ  قدس سره في رؤيته التوحيدية.

(1) المرجفون: هم الذين يروّجون للأخبار الكاذبة والشائعات لزعزعة استقرار المجتمع وبثّ الخوف والرعب في نفوس المؤمنين. وقد توعّدهم الله تعالى في قوله: ﴿لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الأحزاب: 60).
(2) مقولة منسوبة للإمام روح الله الخمينيّ قدس سره، يتداولها تلامذته ومحبّوه، وتلخّص جوهر رؤيته العرفانيّة للتوحيد الأفعاليّ.

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع