الدمعة الحسينيّة: حينما يصنع الألم وعياً وشفاءً القصيدة الحسينيّة..تحوّلات بين المنبر والساحة المراسم الحسينية في البقاع.. من شعيرة إلى مشروع مجتمعيّ مقاوم قواعد قرآنيّة في تثبيت القلوب (2): المكر السيّئ تشييع الإمام القائد: 15 مليون رسالة حبٍّ وتحدٍّ من انتصر في الحرب؟ «حَبّات القلوب»: لكلّ طفل شهيد قصة وحُلم المبادرات الفرديّة في الأزمات...جبهةٌ أخرى (2) أمراء الجنة | عباس سيبقى أثرك حاضراً فينا بين الأقلام المشبوهة والسبق الصحفي: الوعي واجبٌ

الدمعة الحسينيّة: حينما يصنع الألم وعياً وشفاءً

فاطمة رعد

ليست كلّ الدموع متشابهة؛ فثمّة دموع تنبع من الفقد، وأخرى من الندم، وثالثة من الفرح. لكن ثمّة دموع تحمل في جوهرها معنى أعمق؛ إذ إنّها تخرج من القلب لتطهّر النفس، وتمنح الإنسان فرصة للعودة إلى جوهره الإنسانيّ. ومن بينها تبرز الدمعة الحسينيّة التي ارتبطت عبر القرون بذكرى شهادة الإمام الحسين عليه السلام، لا بوصفها تعبيراً عن الحزن فحسب، بل بوصفها تجربة روحيّة ونفسيّة عميقة تتجاوز حدود الزمان والمكان.

قبل أن نلج إلى قراءة أثر الدمعة الحسينيّة على النفس الإنسانيّة، يجدر التنبيه إلى فكرة أساسيّة مفادها: إنّ المؤمن حينما يبكي الحسين عليه السلام؛ لا يفعل ذلك ليتشافى، بل يبكي لأنّه تأثّر وتفاعل وهزّ كيانه مشهد الظلم وقتل الحقّ، فتتحرّك عاطفته لتصقل نفسه وعقله وإيمانه. هذا المقال سيتحدّث عن الأثر النفسيّ لهذا التفاعل كإحدى نتائج حضور الحسين عليه السلام في وعينا.

فكيف نفهم نفسيّاً “الدمعة المباركة”؟

*البكاء في مدرسة الحسين عليه السلام: أكثر من عاطفة
في ثقافات كثيرة، يُنظر إلى البكاء بوصفه علامة ضعف أو انكسار، فيُطلب من الإنسان أن يكبت دموعه وأن يتجاوز أحزانه بسرعة. أمّا مدرسة الحسين عليه السلام، فتقدّم رؤية مختلفة تماماً؛ فهي تعلّمنا أن لا نكتم الحزن بل نواجهه، وأنّ الدموع ليست سدّاً يحبس الإنسان في ألمه، بل نهر يعبر به نحو فهم أعمق لنفسه ولحياته.

لا تدعو المدرسة الحسينيّة إلى البكاء بوصفه انفعالاً عابراً أو ضعفاً إنسانيّاً، بل ترفعه إلى مرتبة الوعي والالتزام. فالبكاء على الإمام الحسين عليه السلام هو في جوهره بكاء على الظلم، وانكسار القيم، والجراح التي لم تلتئم في النفس الإنسانيّة.

عندما يبكي الإنسان على الإمام الحسين عليه السلام، فإنّه لا يبكي شخصاً تاريخيّاً فحسب، بل يبكي كلّ موقف خُذل فيه الحقّ، وكلّ لحظة ساد فيها الباطل، وكلّ جرح أخفته نفسه عبر السنوات. ولهذا، يتحوّل البكاء إلى فعل أخلاقيّ وروحيّ يعيد ترتيب علاقة الإنسان بالقيم التي يؤمن بها، ويوقظ فيه حسّ المسؤوليّة تُجاه ذاته ومجتمعه.

*مواجهة الظلّ الداخليّ
يرى عالم النفس السويسريّ كارل يونغ أنّ الإنسان لا يكتمل إلّا حين يواجه ما سمّاه بـ»الظلّ»، أي الجوانب المكبوتة والمنسيّة من شخصيّته ومشاعره. فالألم الذي لا يُعاش، والحزن الذي لا يُعترف به، لا يختفيان، بل يستمرّان في التأثير في الإنسان من أعماقه.

ومن هذا المنظور، يمكن فهم البكاء في أيّام الحسين عليه السلام بوصفه لحظة مواجهة مع الظلّ الفرديّ والجماعيّ. ففي أجواء الحزن الحسينيّ، تطفو إلى السطح مشاعر الخذلان والفقد والخوف والانكسار التي يحملها الإنسان في داخله. وعبر الدموع، تبدأ هذه المشاعر بالتحرّر، ويبدأ الوعي بإعادة التواصل مع الأجزاء المنسيّة من الذات.

إنّ البكاء هنا ليس هروباً من الألم، بل شجاعة في مواجهته. وهو ما يجعل التجربة العاشورائيّة استشفائيّة بامتياز، لأنّها تسمح للإنسان بأن يواجه جراحه بدل أن يدفنها.

*دموع على الجراح القديمة
تتجاوز الدمعة الحسينيّة حدود التجربة الفرديّة لتلامس ما يمكن تسميته باللاوعي الجمعيّ؛ ذلك المخزون العميق من الرموز والمعاني والتجارب التي تشترك فيها الجماعات البشريّة عبر التاريخ.

في الوجدان الإنسانيّ، أصبح الإمام الحسين عليه السلام رمزاً أبديّاً للحقّ المظلوم، وللكرامة التي رفضت الخضوع، وللإنسان الذي ضحّى بكلّ شيء دفاعاً عن المبادئ. لذلك، فإنّ البكاء عليه لا يقتصر على الحزن لمصابه، بل يستحضر أيضاً جراحاً إنسانيّة أوسع: جرح الخذلان، والصمت أمام الظلم، وفقدان العدالة.

وحين يشارك الإنسان في هذه التجربة الوجدانيّة، قد يكتشف أنّ دموعه لا تنهمر على تلك الملحمة وحدها، بل على آلامه الشخصيّة أيضاً. فكأنّ الإمام الحسين عليه السلام يصبح مرآة يرى فيها الإنسان جراحه الخاصّة وقد تجسّدت في صورة رمزيّة عظيمة تمنحه القدرة على فهمها والتصالح معها.

*البكاء بين الطبّ الشرقيّ وعلم النفس الحديث
في الطبّ الشرقيّ وعلم النفس الحديث، لا يُنظر إلى المشاعر بوصفها حالات عابرة فحسب، بل بوصفها جزءاً من منظومة متكاملة تؤثّر في الجسد والعقل. وعندما يُكبت الحزن أو الألم لفترات طويلة، قد يظهر ذلك في صورة توتّر نفسيّ أو إرهاق جسديّ وأمراض جسديّة خطيرة واضطرابات مختلفة في الحياة اليوميّة. لذلك، يُعدّ البكاء إحدى الوسائل الطبيعيّة التي تساعد الإنسان على تنظيم مشاعره والتخفيف من الأعباء العاطفيّة المتراكمة.

فالدموع ليست مجرّد استجابة للحزن، بل وسيلة فطريّة للتعبير عن المشاعر التي لم تجد طريقها إلى الكلمات. وتشير دراسات علم النفس إلى أنّ التعبير العاطفيّ الصادق يساعد الدماغ على معالجة التجارب المؤلمة بدل إبقائها في حالة نشاط داخليّ مستمرّ، وهو ما يفسّر شعور الكثيرين بالراحة أو الخفّة بعد البكاء.

تخيّل شخصاً فقد والدته أو والده أو عزيزاً على قلبه قبل سنوات. كان يعتقد أنّه تجاوز الحادثة لأنّه لم يعد يتحدّث عنها. لكنّه في كلّ مرّة تُذكر فيها الأمومة أو الأبوّة أو الفقد، يشعر بانقباض في صدره من دون أن يعرف السبب. ثمّ يجلس في مجلس حسينيّ يسمع فيه مشهد وداع أو فراق، فتتدفّق دموعه فجأة. من الناحية النفسيّة، ما حدث ليس استحضاراً للذكرى فحسب، بل إعادة فتح مساحة عاطفيّة كانت مغلقة. الدموع هنا تساعد النفس على استكمال عمليّة الحداد التي توقّفت أو تأجّلت، ولذلك، يشعر بعدها براحة داخليّة.

وفي مثال آخر، قد يعيش إنسان سنوات وهو يحمل شعوراً بالخذلان من صديق أو شريك أو قريب. ومع مرور الوقت، يتحوّل الحزن إلى غضب أو برود عاطفيّ. لكنّه حين يتأمّل مشاهد الخذلان في كربلاء ويبكي، يبدأ بإدراك أنّ ما يؤلمه ليس الحدث القديم نفسه، بل الجرح العاطفيّ الذي تركه داخله.

واللافت أنّ الإنسان لا يبكي دائماً بسبب الحدث الذي أمامه مباشرة، فقد يبكي أثناء دعاء أو مجلس عزاء أيضاً؛ لأنّ الموقف الحاليّ يلامس جرحاً أقدم مخزّناً في الذاكرة العاطفيّة. ولهذا، نرى أشخاصاً يتأثّرون بدرجات مختلفة بالمشهد نفسه؛ فكلّ إنسان يحمل داخله قصّة مختلفة تستجيب لمعانٍ ورموز مختلفة.

*البكاء وسيلة للتشافي الجمعيّ
من الخصائص المميّزة للحزن الحسينيّ أنّه لا يُعاش في عزلة. فالمجالس العاشورائيّة ذات البُعد العاطفيّ تجمع الناس في حالة وجدانيّة مشتركة، حيث تتلاقى المشاعر، وتتقاطع الذكريات والآمال، ويتعزّز الشعور بالأمان والانتماء، وتخفَّف مشاعر العزلة. لذلك، تتحوّل الدموع الفرديّة في المجالس الحسينيّة إلى حالة مواساة وتضامن تمنح الكثيرين شعوراً بالراحة والاحتواء والقوّة أيضاً. وهذا الشعور لا يمكن تجاهله، فبالإضافة إلى تعزيزه المعتقد بالقيم الحسينيّة، فإنّه يبني الموقف الذي يحتاجه كلّ إنسان؛ وهذا بُعد إنسانيّ ناضج مبنيّ على التوافق بين العقل والمبدأ من جهة، وبين الشعور والعاطفة من جهة أخرى.

*انقلاب معنى الألم
لا تكمن قوّة مجالس العزاء الحسينيّ في البكاء وحده، بل في الإطار الرمزيّ الذي يحتضن هذا البكاء. فالشعائر الدينيّة تمنح الألم معنى، وتحوّل المعاناة من تجربة عبثيّة إلى تجربة ذات مغزى.

في مجلس الإمام الحسين عليه السلام، ينتقل الإنسان من زمنه اليوميّ إلى زمن رمزيّ يعيش فيه أحداث كربلاء وكأنّها حاضرة أمامه. يستمع، ويتأمّل، ويحزن، ويبكي، ثمّ يخرج وقد حمل معه فهماً أعمق لمعنى الصبر والتضحية والثبات، بل مع سؤال يردّده اللاوعي: لو كنت هناك بينهم، ماذا سيكون ردّ فعلي؟ هل سأتصرّف مثل تلك الأمّ التي قدّمت وحيدها؟ هل سأتذكّر الله عندما أُبتلى بفقد أحد أحبّائي؟

ومع تعزيز التمنّي في كلّ أيّام الحسين عليه السلام من المحرم الحرام حتى أربعينه، ليتحوّل إلى عهد إيمانيّ: «يا ليتنا كنّا معكم»، يجد المؤمن نفسه أمام احتمال دائم ليعزّز ثباته أمام أيّ اختبار.

وهكذا، يصبح الحزن وسيلة لإعادة تفسير الألم الشخصيّ، فبدل أن يُنظر إليه بوصفه عبئاً بلا معنى، يتحوّل إلى فرصة للنموّ الروحيّ واكتشاف القوّة الكامنة في النفس. عندها، نتلمّس عمليّاً ما كنّا نؤمن به نظريّاً، فتتجسّد بشارة «إنّ الله مع الصابرين» حقيقة معاشة، نكتشف فيها أنّ الله كان لنا عوناً وسنداً، فلم يخذلنا أو يضعفنا.

*من الحزن إلى النور
في مدرسة الحسين عليه السلام، لا يُطلب من الإنسان أن يتجاوز الحزن بسرعة، بل أن يمنحه مساحة واعية للتعبير والفهم. ومن خلال هذا المرور الصادق بالألم، يمكن أن يتحوّل الحزن إلى بصيرة، والخسارة إلى حكمة، والدمعة إلى خطوة في طريق النموّ الروحيّ والنفسيّ.

الدموع في مجلس الإمام الحسين عليه السلام دليل على قدرة الانسان المعاصر الذي لم يحضر ذلك المنعطف التاريخيّ، والشعور مع المعنى والتفاعل معه، بأن يتجاوز النظر إلى كربلاء بوصفها مأساة تاريخيّة فحسب، إلى مدرسة تبدأ بدمعة، وتُدخل صاحبها في حوار عميق مع إنسانيّته وجراحه وأسئلته الكبرى.

وهنا، يرتقي الإنسان إلى مرتبة روحيّة يستشعر فيها أنّ للألم بُعداً إلهيّاً، مستلهماً ما أسّسه الإمام عليه السلام من يقين حين قال: «هوّن ما نزل بي أنّه بعينك». وعندها، يبرز التساؤل الجوهريّ: أين يتجلّى حضور الله في القلب حين يطغى الألم؟

هذا السؤال تحديداً ما تجيب عنه الدمعة الحسينيّة، بل وتربّينا عليه، بهدفٍ يتجاوز التمالك والثبات والتشافي، إلى أن نكون حيث يريدنا الله أن نكون بموقف ثابت واتّحاد بين العقل والقلب معاً.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع