زهراء صايغ
يعودُ دائماً بجسدٍ متغيِّر. بدّلت ملامحهُ الجبهات، وقلّة الزّاد وحصارُ المؤن. لم يرجع يوماً بالصّورة التي رحلَ بها، عينايَ شاهدتان على ذلك، ويدايَ اللّتان لطالما تحسّستا عظام جسده تُدركان جيّداً مقدار الاختلاف.
لم يكُن يوماً الرّاوي الشّاكي، بل على العكس تماماً، كان يأخذ دور الحكواتيّ الكوميديّ الذي يصنع من الصّبر قوتَ البسمات.
من المؤلم أن تسمع أنّ شابّاً عشرينيّاً مَسكَتُهُ(1) علبةٌ من السردين الخالِص من دون أيّ منكّه، وبعض الأيّام معلّباتٌ من الأرزّ ومشتقات اللحوم، يأتي ليحكي لكَ قصّة جوعهِ بوجهٍ ضحوك!
لم يكسُ لحمٌ زائدٌ جسده يوماً، لم يكن قوتُ الجبهات أيّام الاحتدام، غذاءً مكمِّلاً لما يحتاجُه جسدُه، لذا، عُرفَت هيأتُهُ بالجسدِ النَّحيل.
مرّتين لامسَت كفّاي عِظام حسين؛ مرّةً أولى بعدَ حرب «أولي البأس»، عندما رجع من بلدة الناقورة جلدةً وعظمةً، كما يُقال، وبقي طوال الفترة بين الحربين يتلقّى العلاج ليشفى من سقم المياه الآسنة التي كانت الحلّ الوحيد لإسكاتِ عطشِه. عدا عن أكل الخبز الأخضر العفن اليابس، هذا إن وُجد!
وفي المرّة الثانية، عندما لم يعد منه إلّا عظمة من ساقه.
لعلّي مدينةٌ لجوع الإمام الحسين عليه السلام وعطشه، ولكن، كم أخٍ لم تره عيناي، وكم أخٍ لم تلمس ضعفَهُ يداي؟
كم شابٍّ غير أخي، الآن، بينما أنا أكتب، يبحث عن الخُبز الأخضر؟
إنّنا، كُلّنا، مدينون لكم!
*أخي السعيد حسين حسام صايغ «سيّد جبريل».
(1) أي: زاده.