الدمعة الحسينيّة: حينما يصنع الألم وعياً وشفاءً القصيدة الحسينيّة..تحوّلات بين المنبر والساحة المراسم الحسينية في البقاع.. من شعيرة إلى مشروع مجتمعيّ مقاوم قواعد قرآنيّة في تثبيت القلوب (2): المكر السيّئ تشييع الإمام القائد: 15 مليون رسالة حبٍّ وتحدٍّ من انتصر في الحرب؟ «حَبّات القلوب»: لكلّ طفل شهيد قصة وحُلم المبادرات الفرديّة في الأزمات...جبهةٌ أخرى (2) أمراء الجنة | عباس سيبقى أثرك حاضراً فينا بين الأقلام المشبوهة والسبق الصحفي: الوعي واجبٌ

المراسم الحسينية في البقاع.. من شعيرة إلى مشروع مجتمعيّ مقاوم

تحقيق: علي الأكبر البرجي


مع حلول شهر المحرّم من كلّ عام، تتبدّل ملامح مدن البقاع وبلداتها. الرايات السوداء ترفرف فوق الطرقات والساحات، والمجالس الحسينيّة تفتح أبوابها منذ ساعات النهار الأولى وحتّى وقت متأخّر من الليل، فيما تنشط المضائف والهيئات واللجان التطوّعيّة في مشهد يتجاوز حدود المناسبة الدينيّة ليعكس حالة اجتماعيّة وثقافيّة متجذّرة في وجدان أبناء المنطقة.

هذا العام (2026م)، بدت الإحياءات العاشورائيّة أكثر حضوراً واتّساعاً، سواء من حيث أعداد المشاركين أو حجم النشاطات والمبادرات المرافقة. وبين المجالس الحسينيّة والمسرحيّات العاشورائيّة والمضائف المنتشرة على امتداد المنطقة، برز عنصر أساسيّ في هذا المشهد: الحضور الكثيف للشباب الذين شكّلوا العمود الفقريّ للعمل التنظيميّ والخدميّ.

*أرقام تعكس حجم المشاركة
يقول مسؤول قسم الإعلام في حزب الله في منطقة البقاع مالك ياغي: “إنّ الإحياءات العاشورائيّة هذا العام تميّزت بشكل واضح من حيث عدد المجالس والحضور ونوعيّة المشاركين، مشيراً إلى أنّ عدد المجالس الحسينيّة المنظّمة في أقضية زحلة وبعلبك والهرمل بلغ 523 مجلساً، توزّعت بين المجالس النهاريّة والليليّة”.

ويضيف: “إنّ حجم المشاركة اليوميّة تخطّى 173 ألف شخص على امتداد المنطقة، في رقم يعكس حجم الارتباط الشعبيّ بالمناسبة”، لافتاً إلى أنّ حضور الشباب كان من أبرز سمات هذا العام، إذ شكّلت الفئة العمريّة بين 10 و30 عاماً نسبة كبيرة من المشاركين.

ولم تقتصر النشاطات على المجالس التقليديّة، بل شملت برامج كشفيّة، ورفع رايات الإمام الحسين عليه السلام في عدد من المواقع الدينيّة والمعالم الرمزيّة، إضافة إلى حملات تزيين الطرقات والساحات بالرايات واللافتات التي تحاكي المناسبة.

*المضائف... مساحة للخدمة والتكافل
على الطرقات الرئيسة والفرعيّة، وفي الساحات العامّة ومحيط الحسينيّات، انتشرت مئات المضائف التي تحوّلت إلى جزء أساسيّ من المشهد العاشورائيّ.
ويكشف ياغي أنّ عدد المضائف تجاوز 350 مضيفاً على امتداد منطقة البقاع، قدّمت مختلف أنواع الضيافة، من الطعام والشراب والمياه الباردة والقهوة والحلويات والفواكه والمثلّجات.

لكنّ أهميّة هذه المضائف لا تكمن فقط في ما تقدّمه من خدمات، بل في ما تمثّله من ثقافة اجتماعيّة قائمة على التطوّع والتكافل. فخلف كلّ مضيف عشرات المتطوّعين الذين يعملون لساعات طويلة في إعداد الطعام وتنظيم الخدمة واستقبال الزوّار.

ويصف ياغي هذه الظاهرة بأنّها تجسيد عمليّ لقيم التعاون والمحبّة التي تحملها المناسبة، مشيراً إلى أنّ صور الشهداء كانت حاضرة في معظم المضائف، لتربط بين الخدمة الحسينيّة وذاكرة التضحيات التي قدّمها أبناء المنطقة.

*الشباب... القوّة المحرّكة للمشهد
في الكواليس، وبعيداً عن المنابر والمجالس، كان للشباب الدور الأبرز في إدارة مختلف تفاصيل الإحياءات؛ فبحسب المعطيات الميدانيّة، شارك أكثر من 21 ألف شخص في الأعمال التنظيميّة المختلفة، غالبيتهم من المتطوّعين، توزّعوا على أكثر من 15 هيئة و128 لجنة.

تولّى هؤلاء تنظيم الحسينيّات والساحات، وإدارة حركة المشاركين، واستقبال الضيوف، وتقديم الضيافة، والتصوير الإعلاميّ، وتنظيم النشاطات الكشفيّة، وصولاً إلى أعمال النظافة والخدمات اللوجستيّة.

في هذا السياق، يرى منسّق الهيئات الحسينيّة في قطاع الهرمل في حزب الله محمّد سلهب أنّ الشباب أصبحوا الركيزة الأساسيّة للعمل الحسينيّ المنظّم، موضحاً أنّ قطاع الهرمل يضمّ اثنتي عشرة هيئة حسينيّة تعمل وفق آليّة تكامليّة تجمع بين العمل الدينيّ والثقافيّ والاجتماعيّ. ويشير سلهب إلى أنّ هذه الهيئات لم تعد تكتفي بإحياء المناسبة في بعدها الشعائريّ فقط، بل باتت مساحة لتربية جيل جديد على المسؤوليّة والانضباط وروح المبادرة، حيث يتولّى الشباب فيها مهام التنظيم والإعداد والإعلام والخدمة الميدانيّة بروح عالية من الالتزام. ويضيف أنّ ما يميّز هذه التجربة هو قدرتها على تحويل الحضور العاطفيّ إلى فعل منظّم ومستمرّ، يربط بين المجالس الحسينيّة والنشاطات الكشفيّة والبرامج التوعويّة والمبادرات الاجتماعيّة، ما يعزّز حضور القضيّة الحسينيّة في حياة الناس اليوميّة. كما يؤكّد أنّ هذا العمل الجماعيّ أسهم في ترسيخ ثقافة التطوّع والتعاون بين أبناء المنطقة، وجعل من الهيئات الحسينيّة إطاراً جامعاً يلتقي فيه أبناء العائلات والقرى على قيم واحدة، بعيداً عن أيّ انقسام أو تباعد.

*”واقعة الطفّ”... المسرح الكربلائيّ
من بين المحطّات التي استقطبت اهتمام الجمهور، برزت مشهديّة “واقعة الطفّ” في بلدة شمسطار، والتي تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أبرز الفعاليّات العاشورائيّة في البقاع.

في الساحة المخصّصة للعرض، احتشد آلاف المشاهدين لمتابعة العمل الذي يجسّد أحداث كربلاء بصورة مسرحيّة حيّة.

يقول مخرج العمل حسين زين إنّ الهدف من المشهديّة هو إبقاء قضيّة الإمام الحسين عليه السلام حاضرة في الوعي الجمعيّ، من خلال نقلها من صفحات التاريخ إلى مشهد بصريّ ووجدانيّ يلامس الجمهور مباشرة.

يشارك في العمل نحو 250 ممثّلاً متطوّعاً إلى جانب 60 متطوّعاً ضمن اللجان التنظيميّة والفنيّة والإداريّة، فيما تبدأ التحضيرات الفعليّة قبل العرض بنحو ثلاثة أشهر. ويشير زين إلى أنّ المشهديّة كانت تتطوّر باستمرار خلال السنوات الماضية على مستوى النصوص والمؤثّرات الصوتيّة والبصريّة والأداء التمثيليّ، ما جعلها محطّة سنويّة ينتظرها الجمهور.

وعلى الرغم من التحدّيات الأمنيّة والظروف الصعبة التي مرّت فيها المنطقة، استمرّت المشهديّة في أداء رسالتها، وقدّمت خلال مسيرتها 29 شهيداً من المشاركين في الكادر التمثيليّ والإداريّ، إضافة إلى شهيدتين من الأخوات العاملات في تنظيم الإحياءات، ما منحها بُعداً رمزيّاً خاصّاً في نظر القائمين عليها.

*حضور يتجاوز حدود البقاع
وهكذا، تكشف الأرقام والوقائع الميدانيّة أنّ عاشوراء في البقاع تحوّلت إلى منظومة اجتماعيّة متكاملة تشارك فيها مؤسّسات وهيئات ولجان وآلاف المتطوّعين؛ فخلف مئات المجالس وآلاف المشاركين تقف شبكة واسعة من العمل التطوّعي والتنظيميّ، تسهم في تعزيز قيم التعاون والانتماء والعمل الجماعيّ، وتوفّر مساحة لتفاعل الأجيال المختلفة ضمن إطار ثقافيّ ودينيّ موحّد. وقد امتدّ حضورها إلى زوّار قدموا من مختلف المناطق اللبنانيّة، خاصّة إلى مقام السيّدة خولة ابنة الإمام الحسين عليهما السلام في بعلبك، حيث يقام المجلس الحسينيّ المركزيّ.

*أربعين الإمام الحسين عليه السلام في البقاع
هذا وتمتدّ مجموعة كبيرة من هذه الأنشطة والمراسم لتربط بين حدثيْن كبيريْن في وجدان البقاعيّين، بين عاشوراء وأربعين الإمام الحسين عليه السلام، فأنت ترى المشهد متّصلاً مدة أربعين يوماً من الحياة مع الحسين عليه السلام. إذ يحيي حزب الله سنوياً منذ عام 2011م ذكرى أربعينيّة الإمام الحسين عليه السلام في مدينة بعلبك، تحت شعار «موكب الأحزان»، عبر مسيرة منظمة يتقدّمها حملة الصور والرايات وكشافة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه، ومواكب اللطم الحسينيّ التي تضم آلاف الشباب، إضافة إلى وفود الهيئات النسائيّة المعروفة باسم «جنود الحوراء» كما تحدث ياغي. وأضاف أنّ المواكب تنطلق من ميدان التحرير في مدخل بعلبك الجنوبي نحو مقام السيدة خولة بنت الحسين عليهما السلام، حيث يقام مجلس عزاء وزيارة الأربعين، وتُختتم المناسبة بكلمة الأمين العام لحزب الله سماحة الشيخ نعيم قاسم (حفظه الله).

ويشهد البقاع، من شتورة مروراً ببعلبك وصولاً إلى الهرمل، حشوداً تفوق 50 ألف زائر يوم الأربعين، إلى جانب عشرات الآلاف في الأيام السابقة، وسط تحضير مئات المضائف وتقديم مياه الشرب، والطعام والحلويّات على طول الطريق المؤدي إلى بعلبك جنوباً إلى شتورة وشمالاً إلى الهرمل، بالإضافة إلى تجهيز الخيام والكراسي والشّاشات حول مقام السيدة خولة عليها السلام لتستضيف الزوّار الحسينيّين في حرمها.

في وقت يشهد فيه لبنان تحدّيات اقتصاديّة واجتماعيّة وأمنيّة متلاحقة بسبب الاعتداءات الصهيونيّة الإسرائيليّة، تبرز هذه الإحياءات بوصفها مساحة مهمّة للحفاظ على الهويّة الجماعيّة وتعزيز الروابط الاجتماعيّة، فيما يبقى الحضور الكثيف للشباب مؤشّراً على استمرار انتقال هذا الإرث من جيل إلى آخر، بما يحمله من رموز وقيم ومعانٍ تتجاوز حدود المناسبة إلى الحياة اليوميّة للمجتمع.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع