تحقيق: زينب نعمة
العطاء هو مفتاح السعادة وجوهر الإنسانيّة؛ فعندما يربط الإنسان سعادته بالبذل لا بالأخذ، تصبح الحياة أكثر جمالاً ومكاناً أفضل للعيش، وتسود العدالة المجتمعيّة بعيداً عن كلّ أشكال الفرديّة والأنانيّة. هنا، يبرز الفرق بين من يستهلك ليُفرح نفسه، وبين من ينفق ليُسعِد الآخرين. يتجلّى هذا المعنى الأخير بشكل أعمق في أوقات الحروب والأزمات الإنسانيّة والاجتماعيّة.
نطلّ في هذا المقال على مجموعة أخرى من المبادرات الإنسانيّة التي وقفت إلى جنب الناس في أصعب الأوقات وأشدّها محنة.
*مبادرة موقع «اعرف عدوّك» و «منصّة 24 الإخباريّة»
إنّ جوهر العمل الإعلاميّ لا يقتصر فقط على نقل الأخبار ومتابعة الأحداث ورصدها، بل أن يكون وسيلة للمساندة الإنسانيّة في هذا الزمن الصعب والقاسي، حيث يواجه الإنسان تحدّيات جمّة على الصعد كافّة.
1. البداية والانطلاق
في فترة ما قبل الحرب، انطلقت مبادرة موقع «اعرف عدوّك» و»منصّة 24 الإخباريّة» لتقديم الخدمات الإنسانيّة، وشملت تأمين حالات استشفائيّة صعبة وبعض الأدوية، وسداد ديون بعض العائلات، وغيرها الكثير من الخدمات. ومع اندلاع الحرب (العصف المأكول) في العام 2026م، اجتمعت إدارة الموقع والمنصّة المؤلّفة من السيّد محمّد رضا والأستاذ هشام جابر والحاجّ علي زنيط، وأُطلقت مبادرة لمساندة الأهالي النازحين، كوجه من أوجه المقاومة والصمود.
2. الخدمات والمساعدات
في حديث لمجلّة بقيّة الله، أكّد صاحب المبادرة الحاجّ علي زنيط أنّها هدفت إلى دعم الجبهة الاجتماعيّة عبر مساندة الناس بعد الخروج القسريّ من قراهم بسبب العدوان الإسرائيلي الغاشم، وذلك انطلاقاً من الإحساس بالمسؤوليّة تجاه المواطنين.
وقد حرصت المبادرة على تأمين مجموعة من الأمور، من بينها:
- توفير وجبات الإفطار يوميّاً للنازحين خلال شهر رمضان المبارك.
- تأمين خدمات طبّيّة وأدوية للناس المرضى، لا سيّما الأمراض المزمنة.
- تأمين حليب وحفاضات للأطفال النازحين.
- تأمين مواد غذائيّة لآلاف الأسر النازحة، كذلك المساعدات النقديّة في حال الضرورة.
- تأمين مياه الشرب بشكل يوميّ للناس، كذلك المساعدة في تعبئة مياه الاستخدام.
- تأمين الخيم لعشرات العائلات النازحة التي لم تستطع إيجاد مأوى.
- تأمين الباصات التي تنقل الناس من الأماكن المهدّدة والتي كانت تتعرّض للقصف اليوميّ إلى أماكن آمنة، مع ما تحمله هذه المبادرة من مخاطرة وتحدّيات، إلّا أنّها كانت ضروريّة لحماية الأرواح. كذلك تأمين باصات للعودة بعد وقف إطلاق النار.
- تأمين خدمات فرديّة بحسب الطلب، مثل: تعبئة غاز، تأمين دواء أو دخول مستشفى، أو حتّى خدمات استشفائيّة ضروريّة وطارئة، وغيرها الكثير من الخدمات.
هذه المبادرة استطاعت أن تساعد أكثر من 1300 عائلة نازحة بمبالغ تبرّعت بها الأيادي البيضاء والناس الرحيمة، وقد وصلت المبالغ إلى حدود 94500 دولار.
كانت نداءات المساعدة تتعمّم على مجموعات الموقع والمنصّة، إضافة إلى منصّات التواصل الاجتماعيّ، فيقوم المواطنون الكرماء بالتبرّع عبر حسابات تطبيق «الويش» على مدار الساعة.
ومن هذا المنبر، تتوجّه إدارة موقع «اعرف عدوّك» و»منصّة 24» بالشكر والامتنان إلى كلّ المتبرّعين من أطيافهم وفئاتهم كافّة، من داخل لبنان وخارجه، إذ إنّ مساهماتهم الماديّة أدّت إلى تعزيز أدوات الصمود ومساعدة الناس على تحمّل مشقّات الحرب.
*مبادرة «يداً بيد للطفولة»
من قلب التعب والألم تولد نفحات من الأمل والتضامن، هي قلوب معطاءة جسّدت معاني الخير والعطاء لتجعل غيرها أفضل حالاً.
كلّ إنسان من موقع اختصاصه يستطيع أن يقدّم مساندة ما لمساعدة غيره. انطلاقاً من هذا المبدأ، انطلقت مبادرة «يداً بيد للطفولة» إيماناً منها بالمسؤوليّة المشتركة تجاه الأطفال وذويهم، خصوصاً في ظلّ التحدّيات الكثيرة التي يواجهها أفراد المجتمع، وحرصاً على مواكبتهم خطوة بخطوة.
أطلقت المبادرة كلّ من المعالجتين نور طاهر وفاطمة حمدان من أجل دعم الأطفال، ومن بينهم ذوو الاحتياجات الخاصّة، وكذلك لمساعدة الأهل في اجتياز هذه المرحلة، عبر مجموعة على الواتس آب تضمّ عدداً من المعالجات الجاهزات لمساعدة الأمّهات في حلّ المشكلات السلوكيّة التي يعاني منها أطفالهنّ، لا سيّما تلك المرتبطة بالحرب والنزوح. وفي حديث للمجلّة، أكّدت المتخصّصة في الطفولة المبكرة والتدخّل السلوكيّ هبة يحيى أنّ المشكلات السلوكيّة والتربويّة يجب أن تتمّ متابعتها عبر إعطاء التوجيهات اللازمة للأهل، وكذلك من خلال إقامة نشاطات تفريغيّة للأطفال بشكلٍ متواز.
كذلك، كان ثمّة اهتمام بأيتام الشهداء عبر ورش تفريغيّة وتوزيع الهدايا. وقد تمّت هذه المبادرة بالتعاون مع 6 معالجات في مختلف المجالات النفسيّة والسلوكيّة. وأكّدت هبة أنّ الاهتمام بمواكبة الأطفال، لا سيّما على الصعيد الروحيّ والنفسيّ، أمر مهمّ للغاية، وخاصّة في فترة الحرب، وما احتوته من تحدّيات نفسيّة وسلوكيّة يوميّة صعّبت على الأهل مهمّة التربية، وجعلتهم يفكّرون في كيفيّة إعادة ضبط سلوكات أطفالهم، ومعالجة المشكلات اليوميّة التي يختبرونها.
وقد ساعدت هذه المبادرة المهمّة مئات الأهالي والأطفال على إعادة برمجة سلوكهم والتأقلم في الواقع الجديد الذي فرضته الحرب، سواء عبر النزوح أو الفقد، أو غيرها من نتائج الحرب الصعبة.
*مبادرة فرديّة صنعت فرقاً
هي مبادرة فرديّة انطلقت لتأمين المسلتزمات الأساسيّة للنازحين والأيتام على مختلف الأراضي اللبنانيّة. وفي حديث للمجلّة، أكّدت السيّدة تمام بلحص (شيماء) أنّ مبادرتها بدأت عبر تأمين الحليب والحفاضات لبعض الأطفال النازحين في الشمال، فاستطاعت هذه المبادرة، بدايةً عبر المتبرّعين من خارج لبنان أن تنمو تدريجيّاً، لتمتدّ لاحقاً لتشمل لبنان كلّه، إلى أن وصل عدد العائلات التي تلقّت المساعدات إلى حدود الـ700 عائلة، عبر تأمين مختلف المستلزمات والاحتياجات. أمّا أبرز الأمور التي حرصت «مبادرة شيماء» على تأمينها فهي: المواد الغذائيّة، والمنازل، والأدوية، والملابس، والخضار والفواكه، والخبز، ومياه الشرب، والحليب، وحفاضات للأطفال.
وقد ساعدت هذه المبادرة أكثر من ألف نازح خلال فترة الحرب، وأسهمت في تحسين الواقع الصعب الذي كانوا يعانون منه بفعل النزوح وما خلّفه من تداعيات.
هي مبادرات فرديّة تصنع فرقاً؛ إذ إنّ قضاء حوائج الناس من أعظم أبواب الخير، وهي نعمة كبيرة وباب للأجر الجزيل، ومن أحبّ الأعمال إلى الله عزّ وجلّ. ولا ننسى أنّ من يسعى في تفريج هموم الآخرين ومساعدتهم وتيسير أمورهم، سيرزقه الله الرضا في الدنيا ويثقل ميزانه ليوم النشور.