تاريخ الشيعة | بيروت والجنوب في مواجهة الصليبيّين أذكار للتخلّص من الهمّ والضيق مناسبة | من أرض مكّة دحاها مناسبة | القرآن يبوح بفضل عليٍّ عليه السلام الأسرة بين هاتفٍ ذكيٍّ وتواصلٍ موهوم لمَ تقاطع أخاك؟ العاطفة سرّ التواصل الأسريّ حتّى لا يتنازع الإخوة في الميراث الأسرة تُصلح أفرادها - في فكر الإمام الخامنئيّ دام ظله أذكار | أذكار لطلب الرزق

مفاتيح الحياة | الصدقـــــات نظام إسلاميّ فريد (1)*

آية الله الشيخ عبد الله الجوادي الآملي


الإسلام –وبتدبير خاصّ- قام بتأمين احتياجات المحتاجين من أبناء المجتمع عن طريق الصدقات والأوقاف والكفّارات وشبهها، وبإرساء الأسس لخدمة الفقراء والمساكين، وبذلك استطاع تأمين الحدّ الأدنى من نفقات المعيشة للمحرومين والفقراء في المجتمع.

•أهميّة نظام الصدقة
إنّ التكليف الشرعيّ لجميع الناس، والأغنياء منهم خاصة، يحتّم تقديم الصدقات والمساعدات المادّيّة والمعنويّة للمحرومين والمعوزين. وقد بيّنت الأحاديث والروايات الآثار الفرديّة والاجتماعيّة الدنيويّة وكذا الثواب الأخرويّ الجزيل للصدقات والمساعدات المقدّمة للمحرومين. فالصدقة هي رأسمال الإيمان، وتجارة رابحة، وأفضل وسيلة للإحسان، وجُنّة واقية من نار جهنّم، ومدعاة لرفع البلايا والشدائد، ومصدر رزق للمحرومين، واختبار للأغنياء، إلخ. 

عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: "تصدَّقْتُ يوماً بدينار، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أما علمت أنّ صدقة المؤمن لا تخرج من يده حتّى يُفكَّ بها عن لحى سبعين شيطاناً، وما تقع في يد السائل حتّى تقع في يد الربّ تبارك وتعالى؟ ألم يقل هذه الآية:  ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ (التوبة: 104)"(1).

وعن النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "أرضُ القيامة نارٌ ما خلا ظلَّ المؤمن فإنّ صدقته تُظلُّهُ"(2).

•أفضل أوقات الصدقة
الصدقة مستحبّة في كلّ الأوقات، غير أنّ لها تأثيراً خاصّاً في أوقات معيّنة جاء التأكيد عليها في الروايات، منها:

1. قبل الأكل: جاء في وصيّة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام لولده الإمام الحسن عليه السلام وهو على فراش الموت: "... ثمّ إنّي أوصيك يا حسن... ولا تأكلنَّ طعاماً حتّى تصدَّق منه قبل أكله"(3).

2. في أوّل الصباح والمساء: قال الإمام جعفر الصادق عليه السلام: "باكروا بالصدقة، فإنّ البلايا لا تتخطّاها، ومن تصدَّق بصدقة أوّل النهار دفع الله عنه شرّ ما ينزل من السماء في ذلك اليوم، فإنْ تصدَّق أوّل الليل دفع الله عنه شرَّ ما ينزل من السماء في تلك الليلة"(4). وعنه عليه السلام أيضاً: "من تصدَّق بصدقةٍ إذا أصبح دفع الله عزّ وجلّ عنه نحسَ ذلك اليوم"(5).

3. يوم الجمعة: وقال عليه السلام أيضاً: "كان أبي أقلَّ أهل بيته مالاً وأعظمهم مؤنةً، قال: وكان يتصدَّق كلّ يوم جمعة بدينار وكان يقول: الصدقة يوم الجمعة تُضاعَفُ لفضل الجمعة على غيره من الأيام"(6). وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام في الرجل يريد أن يعمل شيئاً من الخير مثل الصدقة والصوم ونحو هذا، قال: "يُستحبّ أن يكون ذلك يوم الجمعة، فإنّ العمل يوم الجمعة يُضاعَف"(7).

4. في بداية السفر: سأل حمّاد بن عثمان الإمام جعفر الصادق عليه السلام عن كراهة السفر في بعض الأيّام، فقال عليه السلام: "افتتح سفرك بالصدقة واقرأ آية الكرسيّ إذا بَدا لك"(8). يقول الراوي: سمعت الإمام جعفر الصادق عليه السلام يقول: "إذا خرج أحدكم من منزله فليتصدَّق بصدقةٍ، وليقل: اللّهم أظلَّني من تحت كنفك، وهَبْ لي السلامة في وجهي هذا ابتغاءَ السلامة والعافية والمغفرة وصرفِ أنواع البلاء. اللهمّ فاجعله لي أماناً في وجهي هذا وحجاباً وستراً ومانعاً وحاجزاً من كلّ مكروه ومحذور وجميع أنواع البلاء، إنّك وهّابٌ جوادٌ ماجدٌ كريمٌ. فإنّك إذا فعلت ذلك وقلته لم تزل في ظلِّ صدقتك، ما نزل بلاءٌ من السماء إلّا ودفعه عنك، ولا استقبلك بلاءٌ في وجهك إلّا وصدمه عنك، ولا أرادك من هوامِّ الأرض شيءٌ من تحتك ولا عن يمينك ولا عن يسارك إلّا وقمعته الصدقة"(9).

5. عند الإفطار: عن الإمام الرضا عليه السلام: "من تصدَّق وقت إفطاره على مسكين برغيفٍ غفر الله له ذنبه وكتب له ثواب عتقِ رقبةٍ من وُلْدِ إسماعيل عليه السلام"(10).

6. في شهر رجب: سُئل الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: قيل: يا نبيّ الله، فمن عجز عن صيام رجبٍ لضعفٍ أو لعلّةٍ كانت به، أو امرأة غير طاهر، يصنعُ ماذا لينال ما وصَفْتَه؟ قال: "يتصدَّقُ كلَّ يوم برغيفٍ على المساكين، والذي نفسي بيده إنّه إذا تصدَّق بهذه الصدقة كلّ يوم نال ما وصفتُ وأكثر، إنّه لو اجتمع جميع الخلائق كلّهم من أهل السماوات والأرض على أن يُقدِّروا قدرَ ثوابه ما بلغوا عشرَ ما يصيبُ في الجنان من الفضائل والدرجات"(11).

7. في شهر شعبان: عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: "من تصدَّق بصدقة في شعبان ربّاها الله عزّ وجلّ له كما يُربِّي أحدكم فصيلَهُ حتّى يُوافي يوم القيامة وقد صارت له مثل أُحُدٍ"(12).

8. في شهر رمضان: روي عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "من تصدَّقَ في هذا الشهر بصدقةٍ غَفَرَ الله له"(13).

•أمثلة الصّدقة
للصدقة أمثلة كثيرة، نعرض بعضاً منها:

1. فعل المعروف: روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله: "كلُّ معروفٍ صَدَقة. ما وَقَى به المرءُ عِرْضه كُتِبَ له به صدقة"(14).

2. السقي: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أفضل الصدقة سَقْيُ الماء وأفضل الصدقة صدقة الماء"(15). إنّ سقي المزارع والبساتين وإرواء النبات والحيوان والإنسان من أبرز الأمثلة على "صدقة الماء"، وكذلك توزيع الماء بشكل عام، إن كان للشرب أو لسقي النباتات أو لأغراض الغسل أو لأعمال البناء وغير ذلك، كلّ ذلك يندرج تحت عنوان "صدقة الماء" والتي تُعدّ من أفضل الصدقات.

3. إسماع الأصم: قال الإمام جعفر الصادق عليه السلام: "إسماع الأصم من غير تضجُّر صدقة هنيئة"(16).

4. نشر العلم: روي عن النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم قوله: "ما تصدَّق الناس بصدقة مثل علمٍ يُنشر"(17).

5. مداراة الناس: وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "مُداراة الناس صدقة"(18).

وقد بيّنت كلّ رواية من هذه الروايات الشريفة المصداق والمثال، وليست بصدد الحصر، فليس بينها تعارض.

•آداب الصدقة
1. قصد القربة: في حديث شريف يوصي النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: "يا عليّ، لا خير في القول إلّا مع الفعل،... ولا في الصدقة إلّا مع النيّة"(19).

2. الصدقة من أطيب المال: عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام في قول الله عزّ وجلّ: ﴿أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ (البقرة: 267)، قال: "كَانَ الْقَوْمُ قَدْ كَسَبُوا مَكَاسِبَ سَوْءٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَلَمَّا أَسْلَمُوا أَرَادُوا أَنْ يُخْرِجُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ لِيَتَصَدَّقُوا بِهَا فَأَبَى اللَّه تَبَارَكَ وتَعَالَى إِلَّا أَنْ يُخْرِجُوا مِنْ أَطْيَبِ مَا كَسَبُوا"(20)، ذلك أنّ أهمّ ما يجب على المرء القيام به لإزالة المال غير الطيّب، هو إرجاعه إلى صاحبه.

3.أفضل الصدقة: سُئل الإمام الصادق عليه السلام: أيُّ الصدقة أفضل؟ قال: "أن تتصدَّق وأنت صحيح شحيح، تأمل البقاء، وتخاف الفقر، ولا تمهل حتّى إذا بلغت الحلقوم قلتَ لفلانٍ كذا ولفلانٍ كذا (ألا) وقد كان لفلان"(21). وروي عن أحدهم قال: سألت النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قلت: فأيّ الصدقة أفضل؟ قال: "جهد من مقلّ إلى فقير في سرّ"(22). وعن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: "إنّ أفضل ما توسَّل به المتوسِّلون... صدقة السرّ، فإنّها تطفئ الخطيئة وتطفئ غضب الرّبّ"(23). وروي عن الإمام محمّد الباقر عليه السلام قوله: "أربع من كنوز البرّ: كتمان الحاجة، وكتمان الصدقة، وكتمان الوجع، وكتمان المصيبة"(24).

4. اختبار قناعة الفقير: قال الإمام جعفر الصادق عليه السلام: "وكان أبي عليه السلام ربما اختبر السُّؤلَ ليعلم القانع من غيره، فإذا وقف به السائل أعطاه الرأس، فإن قَبِله قال: دعه، وأعطاه اللحم، فإن لم يقبله تركه ولم يعطه شيئاً"(25).

5. صدقة الزوجة بإذن الزوج: سألت امرأة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا رسول الله، ما حقّ الزوج على زوجته؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "أن لا تتصدَّق من بيته إلّا بإذنه..."(26). طبعاً، إذا كانت الصدقة من مالها الخاصّ فلا داعي لإذنه.

 

* مقتطف من كتاب مفاتيح الحياة، ص 463-470.
1.تفسير العياشي، العياشي، ج 2، ص 107.
2.الكافي، الشيخ الكليني، ج 4، ص 3.
3.الأمالي، الشيخ المفيد، ص 222.
4.من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق، ج 2، ص 67.
5.المصدر نفسه، ج 2، ص 269.
6.وسائل الشيعة، الحرّ العامليّ، ج 7، ص 413.
7.من لا يحضره الفقيه، مصدر سابق، ج 1، ص 423.
8.الكافي، مصدر سابق، ج 4، ص 283.
9.بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 92، 
ص 305-306.
10.وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج 10، ص 316.
11.الأمالي، الشيخ الصدوق، ص632.
12.المصدر نفسه، ص 727.
13.المصدر نفسه، ص 109.
14.الدعوات، البيهقي، ص 107.
15.بحار الأنوار، مصدر سابق، ج 71، ص 369.
16.ثواب الأعمال، مصدر سابق، ص 139 - 140.
17.منية المريد، الشهيد الثاني، ص 105.
18.روضة الواعظين، النيسابوري، ص 380.
19.من لا يحضره الفقيه، مصدر سابق، ج 4، ص 369.
20.الكافي، مصدر سابق، ج 4، ص 48.
21.بحار الأنوار، مصدر سابق، ج 93، ص 182.
22.معاني الأخبار، الشيخ الصدوق، ص 333.
23.علل الشرائع، الشيخ الصدوق، ج 1، ص 247.
24.تحف العقول عن آل الرسول، الحرّاني، ص 295.
25.دعائم الإسلام، المغربي، ج 2، ص 185.
26.المصدر نفسه، ج 2، ص 216.

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع