نور روح الله: سـورة التوحيـد: بشارة آخر الزمـان مع إمام زماننا: القضـاء فـي المدينـة المهدويّـة (*) كيف نربّي جيلاً ولائيّاً؟ من ولايتهم عليهم السلام: التوسّل بهم من ولايتهم عليهم السلام: اتّباعهم الجيوش الإلكترونيّة.. ساحة حربٍ من نوعٍ آخر حول العالم آخر الكلام: يكفي ظلّه مع الإمام الخامنئي: الجهاد في حياة الإمام السجاد عليه السلام مع إمام زماننا: كمال العقل في الحكومـة المهــدويّة (*)

مدرسة الأسر والاعتقال: كيف واجه الأسرى همجية الصهانية

(6) الحرب الأمنية في معتقل الخيام
الأسير المحرر علي حيدر


تتداخل مصلحة العمل المقاوم من جوانب متعددة مع سلامة الإنسان المقاوم خلال فترة الأسر حيث إن تضليل الأسير المعتقل للمحققين قد يساهم بتقصير مدة اعتقاله فيما لو لم يثبت عليه أي نشاط مقاوم، إلاَّ أن ذلك قد يسبب له أيضاً زيادة درجة التعذيب، والعكس تارة يكون صحيحاً وتارة أخرى غير ذلك إذ لا يوجد قاعدة ثابتة في كل الظروف والأحوال.

وبما أن الأسير المقاوم هو إنسان قد تبنى قضايا الأمة متجاوزاً في ذلك نطاق ذاته أصبحت بالتالي مسؤوليته الكبرى كتم المعلومات بالدرجة الأولى التي قد تضر بالمقاومة أو التي قد تشكّل خطوة إلى الأمام بالنسبة للعدو، فضلاً عن مسؤوليات وأدوار أخرى من المفترض أن يؤدّيها الأسير داخل المعقتل.

ويمكننا أن نلخص الأساليب الأمنية التي اتبعها ويتبعها الجلاّدون خلال فترة التحقيق بثلاثة عناوين:
1 ـ التعذيب (الجسدي والنفسي).
2 ـ الاستدراج.
3 ـ الإغراء.

* إلاَّ أن السؤال هو أنه كيف واجه الأسرى هذه الأساليب؟
هنا لا بدّ أن نؤكد على أنه لا يمكن وصف أو تشخيص أسلوب تفصيلي يعتبر الطريقة الصحيحة لتجنب التعذيب (إن كان بالإمكان ذلك) أو تجنّب الوقوع في الأفخاخ الكلامية أو... أو كيفية التعامل مع محاولات الإغراء، فلكل شخص ولكل ظرف موقفه وأسلوبه الذي قد يحقق من خلاله الهدف، حتى أن هذا الأسلوب والموقف قد يختلف بالنسبة إلى الشخص الواحد في فترات أو أماكن مختلفة إلاَّ أن هناك خطوطاً عامة من المفيد الاطلاع عليها، كما أن معرفة نماذج تفصيلية يمكن أن توفر رصيداً يزيد من فرص اختيار الموقف والأسلوب الصحيحين.
ويمكننا أن نقول إن هناك شرطين على الأقل مطلوب توافرهما في الأسير: الصبر والفطنة، أو بعبارة أخرى الوعي الأمني إذ مهما تحلى الأسير بالوعي الأمني إذ مهما تحلى الأسير الوعي الأمني ولكن إن كان ذلك غير مقرون بالصبر فإن النتيجة التي تترتّب عليه هي الانهيار وما يتبعه من أمور قد تضر بالأسير أو بالمقاومة أو غير ذلك. وأيضاً إن كان الإنسان صبوراً ولكنه غير متحلٍّ بالوعي الأمني عند ذلك سيستدرج من حيث لا يشعر ويصل الصهاينة والعملاء إلى أهدافهما أو إلى البعض منها من خلال هذه الزاوية.
وسنذكر هنا ثلاثة نماذج حول أسلوب الاستدراج الذي اتبعه الإسرائيليون مباشرة أو عبر عملاء الزنازين.

1 ـ عندما اعتقلت سنة 1985م اتبع معي من الأساليب ما اتبع مع سائر المعتقلين بشكل عام، ومنها تمّ إيداعي في غرفة يوجد فيها عميل زنزانة دوره أن يستدرجني في الكلام، ولكن التفاتي المسبق إلى أن هذا الأسلوب هو من الأمور البديهية التي تتبعها أجهزة الاستخبارات مكّنني عبر اتباع أساليب معينة من أن استغل عميل الزنزانة بحيث استطعت إقناعه، بل وترسيخ القناعة لديه بأن لا علاقة لي مع المقاومة الإسلامية ما خفّف في البداية الضغط الجسدي عليَّ خلال فترة التحقيق ولكن هذا لا يعني أن ذلك يمكن أن ينجح مع كل شخص أو مع كل عميل...

2 ـ هذا النموذج الذي سأذكره يتجلى فيه نجاح الصهاينة في أسلوب الاستدراج.
بعد صمود أحد الأسرى المعتقلين تحت سياط التعذيب وعدم إدلائه بأي اعتراف اتبع معه أسلوب الاستفزاز عبر اتهامه بالعمالة "لإسرائيل" من قبل عميل سري موجود معه في الغرفة فما كان من هذا الأسير بعد تكرار الاتهام له مرات ومرات إلاَّ أن تكلم بما لا يجب التكلم عنه أمام هذا العميل لكي يثبت براءته وحنصل ما حصل.. وكنموذج على الاستدراج المباشر من قبل المحققين الصهاينة أذكر ما يلي:
يوجّه الإسرائيليون في بعض الأحنيان سئالاً يعرفون مسبقاً جوابه لذا فإن إجابة الأسير عن هذا السؤال لن تقدّم لهم أي جديد ولكن أصل الإجابة الصحيحة أو عدمها قد يفيدهم في مجالات أخرى ـ وفقأ لظروف كل أسير..
فمثلاً وجّهوا إليّ في إحدى المرات سؤالاً أرادوا أن يقوّموا من خلاله أموراً تتعلق بمرحلة بداية التزامي وما قبل اعتقالي وبالتالي يصبح لديهم معطيات قد تفيدهم في موضوع معين يحتفظون به وعبروا عن هذا الأمر الذي يبحثون عنه بسؤال وجّهوه إليّ بعد إجابتي عن السؤال الأول.

وكان السؤال الأول الذي وجَّه إليّ هو: ما هي الاختلافات الفكرية والسياسية بين حركة أمل وحزب الله؟
إننا نلاحظ أن هذا السؤال ليس سؤالاً أمنياً وليس من الأمور السرية..
فإن أجبت هنا بطلاقة ومعرفة عندها يتوصلون إلى تقويم يتعلق بشخصيتي ومن ثم يضعون الاحتمالات التي تتناسب مع هذا الجواب.
وإن أجبت مدعياً المعرفة المطلقة عندها ـ وفقاً لظروف معينة ترتبط بي ـ سيشكون بأني ملتفت لأبعاد هذا السؤال.. وفي النهاية كان جوابي بالطريقة التي تفاديت بها الوقوع في الفخ.
وأما السؤال الثاني فكان: ما هي الهيكلية التنظيمية لحزب الله..؟ "هذه القصة حدثت في شباط 1986م".

ويوجد في هذا المجال الكثير الكثير من القصص والنماذج مما لا يسعنا ذكره. وينبغي أن نشير إلى أن الأسلوب الأمني في التعاطي لم يقتصر على فترة التحقيق وإنما واكب الأسرى في معتقل الخيام طيلة فترة اعتقالهم حتى إنه يمكننا أن نقول إننا كنا نعيش في عام استخباراتي فما من شأن وما من أمر وما من قضية إلاَّ وتدخل فيها جهاز الاستخبارات وحاول أن يستغلها من الناحية الأمنية: المأكل والمشرب والملبس والغُسل والغسيل و...
وكان الصهاينة قد زرعوا عملاء وعيوناً لهم داخل المعتقل أوكلوا إليهم مهمة المراقبة وإشاعة أجواء الفتن والأحباط وما شابه إلاَّ أن الحركة المضادة للأسرى في مواجهة ذلك كان فيها أيضاً الرصد والتعاون والتكامل (ونصب الكمائن) من هنا نستطيع أن نقول إنه كان هناك حرب أمنية شديدة على هذا الصعيد وكان يحصل تخريب وتخريب مضاد من كلا الطرفين، وأذكر هذه الحادثة البسيطة التي لو تعمّقنا بها لأعطتنا صورة عن طبيعة الصراع الذي كان قائماً.

حصل في إحدى المرات أشكال تافه بين أسيرين موجودين داخل نفس الغرفة وهنا دخل جهاز الاستخبارات على الخط لاستغلال هذه القضية فتمت معاقبة أحدهما والعفو عن الآخر وذلك لأهداف واضحة: زرع الكراهية والحقد بينهما والتشكيك بالأسير المعفو عنه..
وهنا دخلتُ أنا على الخط فأرسلت رسالة سرية إلى الأخ الذي عوقب وشرحت له أهداف جهاز الاستخبارات وذكّرته بالأجر إن سامح بحقه، كما تكلمت معه بضرورة احتضاننا للأسير الآخر الذي لم يعاقب وحثثته على التكلم مع الطرف الآخر ومن غرفة إلى غرفة وعلى مسمع الجميع (لأنه تم نقل أحدهما من الغرفة إلى غرفة أخرى).

وبعدها وقفت أنا وأحد الأخوة الآخرين وتكلمنا عبر الباب مع الأخ (الذي لم يعاقب) وعن ضرورة حل القضية والمبادرة للتسامح المتبادل ومنع استغلال العملاء لذلك ونسينا ما مضى... وحصل ما نتمناه..
ما دفع جهاز أمن المعتقل إلى معاقتبي أنا والأخ الآخر وثم أنزلنا إلى قسم العقاب في المعتقل، ثم استدعينا إلى التحقيق وبدأ التحقيق والوعيد وفي سياق الكلام أشار لي مسؤول المحققين أن سبب استدعائي هو تدخلي في هذه القضية، وأمرنا بعدم التكلم إلى خارج الغرفة حتى لتوجيه السلام أو كلمة صباح الخير..
ولكن لم يحصل ما أراده هو وإنما ما أردناه نحن، هو ما حصل.

* موقف وعبرة:
بينما كان عدد من الأسرى يحيون مناسبة عاشوراء في أحند أقسام معتقل الخيام سمعهم مسؤول ما يسمى بالشرطة العسكرية وتم نقلهم إلى زنازين متفرقة ومن بين هؤلاء كان نصيب أحد الأخوة أن وضع في زنزانة شديد الظلمة وذات ظروف قاسية وقرب غرف التحقيق والتعذيب ومن ميزاتها أيضاً وجود باب للزنزانة لا منفذ فيه. في هذه الأثناء تمّ الإتيان بمعتقل جديد ووضعه في زنزانة قرب زنزانة الأخ..
وبعدها نادى الأخ (المعاقب) المعتقل الجديد وأخذ يعظه ويعلمه الصلاة بعد أن علم بأنه لا يصلي وعندما سمع اللحديون كلامه ثار غضبهم لأنهم اعتبروا ما يحصل جرماً إضافياً وتحدياً لهم وأخرجوه لتعذيبه وخلال السجال الذي حصل بينهم قال لهم الأخ إن هذا واجبي أقوم به أينما أكون في المدرسة أو في البيت أو في المعتقل عندها جن جنونهم وأخذوا يعذبونه عذاباً شديداً ولكنه لم ينحنِ وواصل نهجه..


 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع