تحقيق: أحمد شعيتو
في عالم رقميّ يزداد اتّساعاً وتنوّعاً وتطوّراً وتعقيداً يوماً بعد يوم، بتنا نشهد طفرة في قنوات يوتيوب، ومجموعات واتساب وتلغرام، وصفحات فيسبوك وإكس، تتنافس بين ما هو مسلّح بالمصداقيّة، وما يحمل أهدافاً مشبوهة، وما يقع في الخطأ بسبب التسرّع وقلّة الدقّة. وبات كلّ منشور، أو صورة، أو فيديو قادراً على الانتشار بسرعة هائلة، ما يجعل الإعلام الرقميّ أداة قويّة وخطرة، خاصّة مع تعقيد إضافيّ يتمثّل في تقنيات الذكاء الاصطناعيّ التي تنتج صوراً ومشاهد وهميّة تبدو حقيقيّة أحياناً.
*الانتشار بلا قيود: تأثير فوريّ
أصبحت وسائل التواصل الاجتماعيّ فاعلاً رئيساً في توجيه المواقف وصنع القناعات. ومع تطوّرها المتسارع، تضاعف هذا التأثير وانعكاساته على الوعي المجتمعيّ والاستقرار الفكريّ والسياسيّ.
على سبيل المثال، منذ بداية معركة الإسناد، حتّى معركة أولي البأس، وصولاً إلى اليوم، كان للإعلام دور بارز جدّاً، سواء بتظهير صورة المقاومة أو بالهجوم عليها وتثبيط معنويات جمهورها. وقد ظهر في صفحات وسائل التواصل نشاط بارز في هذا المجال، ولا يزال، بموازاة صفحات إخباريّة تابعة لهواة، إمّا بسبب عدم توخّي الدقّة، أو نقل الأخبار والأحداث السلبيّة دون تلك الإيجابيّة أو إنجازات المقاومين الضخمة، وإمّا نتيجة التحليلات والتوقّعات غير المستندة إلى خبراء، وذلك عن قصد أو غير قصد. فضلاً عن صفحات ومنصّات تعتمد التهويل في العنوان والمضمون لجذب المشاهدات لأهداف تجاريّة، وأخرى مشبوهة تهدف إلى التأثير بشكل سلبيّ على اللبنانيّين وبيئة المقاومة بشكل سلبيّ، وهو ما له تداعيات خطرة على الناس بسبب تداول أخبارها.
*نماذج واقعيّة
نذكر هنا بعض النماذج التي تبرز هذا الواقع:
- تدرج بعض قنوات اليوتيوب فيديوهات يوميّة بعناوين مثيرة وتوتيريّة تؤثّر سلباً على نفسيّة المتابعين أو تسبّب لهم الهلع والقلق الدائم. أمّا الهدف من ذلك، فهو لجذب المشاهدات لدى بعض القنوات ولأهداف مشبوهة لدى قنوات أخرى.
- تنقل صفحات فيسبوك وواتساب أخباراً غير دقيقة ومن دون التحقّق منها، عن مصادر كاذبة تنسبها إلى إعلام العدوّ أو إعلام معادٍ حول أحداث متوقّعة في لبنان أو دول المنطقة، أو مواقف وتعليقات سياسيّة عن مصادر مسؤولة مزعومة، فيصدّقها كثير من الناس وتثير البلبلة بينهم.
- تختلق بعض المنصّات اللبنانيّة أخباراً كاذبة فتتناقلها بعض منصّات العدوّ، ثمّ يتناقلها لبنانيّون آخرون على أنّها «نقلاً عن إعلام العدوّ».
- تستضيف بعض القنوات والمنصّات أشخاصاً بصفة «خبراء»، فيتحدّثون عن معلومات مزعومة بحوزتهم، فيقع الكثيرون نتيجتها في شِباك التضليل.
*أمثلة ونتيجة
نلاحظ عند حدوث غارات حربيّة في بعض المناطق اللبنانيّة مثلاً، كيف تنتشر بسرعة أخبار عن وقوع غارات كثيرة في مناطق أخرى، بينما في الواقع لم يحدث شيء من هذا القبيل. وهو أمر غير مقبول لأنّه يثير البلبلة بين الناس.
وقد يشاهد مواطنون دخاناً في مكان ما، أو يسمعون دويّاً قويّاً ناتجاً عن انفجار لمخلّفات الحرب أو نتيجة تفجير يقوم به الجيش اللبنانيّ، فيسارع هؤلاء لتناقل أخبار أنّ ثمّة غارة في ذلك المكان، ويتمّ تناقل الخبر على نطاق واسع.
في النتيجة، وبحسب المصادر الأمنيّة، ثبت أنّ نسبة عالية جدّاً من الأخبار التي تتناقلها مجموعات الواتساب أو الفيسبوك لا أساس لها من الصحّة. ومع ذلك، لا يزال انتشار الأخبار الوهميّة مستمرّاً، وهنا الخطورة!
*لوبيات إعلاميّة بأهداف مشبوهة
حول ذلك كلّه، تحدّثنا في مجلّة بقيّة الله مع الباحث السياسيّ الأستاذ علي مراد، فأشار إلى أنّ «هذه الصفحات والحسابات على مواقع التواصل الاجتماعيّ، وحتّى مجموعات الواتساب والتلغرام ومنصّات اليوتيوب التي تتزايد يوماً بعد يوم وتنشر مقابلات وتحليلات، كلّها مدفوعة الثمن من جهات مختلفة تديرها، وهدفها واحد هو استهداف المقاومة وبيئتها».
وأضاف: «بحسب المعلومات، فقد استحدثت دول إقليميّة وخليجيّة في الأشهر الماضية مراكز في بيروت لتشغيل هذه الصفحات وشراء الذمم واستعمال شخصيّات إعلاميّة وفنيّة وسياسيّة معروفة لهذه الغاية. كما أنّ جهات مصرفيّة تدعم هكذا توجّهات وتموّلها، فضلاً عن دور اليمين المسيحيّ، بتوجّهاته الفكريّة والثقافيّة والسياسيّة المختلفة، في إنشاء محتوى على مواقع التواصل يحاول من خلاله أن يشوّه رمزيّة المقاومة في مسألة حماية لبنان والانتقاص منها». وكشف مراد أنّه «إلى جانب هؤلاء، ثمّة أمر خطير يعمل العدوّ على تنفيذه أو دعمه، عبر جهات لبنانيّة تعمل بالتنسيق مع (لوبيات) لبنانيّة في الولايات المتحدة، والتي بدورها تنسّق بشكل مباشر مع اللوبي الصهيونيّ الذي يدسّ محتوى يستهدف المقاومة وبيئتها ويروّج للتطبيع».
وأشار الأستاذ مراد إلى أنّه ثمّة منصّة محلّيّة استضافت سفير الكيان في الولايات المتّحدة، وقد روّج الإعلام المموّل من الجهة نفسها لهذه المقابلة وعدّها أمراً طبيعيّاً نظراً إلى التحوّل الذي نعيشه اليوم في ما يدّعونه من نتائج للحرب، وأهمّها تطبيع لبنان مع العدوّ الصهيونيّ، بينما هي في الواقع محاولة لتجاوز الخطوط الحمراء المرتبطة بالتواصل المباشر مع العدوّ».
*محاذير السعي وراء الشهرة
أمّا في ما يخصّ مجموعات الأخبار على واتساب وتلغرام، التي تعمل منذ الحرب حتّى الآن على نقل الخبر والحدث بتسرّع ومن دون التحقّق منه، فيقول مراد: «غالباً ما يدير هذه المجموعات أشخاص ليس لديهم بالضرورة نوايا مغرضة وهم غير مستأجرين من قِبل جهات معادية ولا يعملون لصالحها، وإنّما يعمل غالبيّة القيّمين على هذه المجموعات وفق مبدأ حبّ الظهور والسعي لبناء سيرة أو بصمة في عالم الصحافة والإعلام. إلّا أنّهم يسقطون أحياناً، ومن دون دراية، في شَرَكِ لعبة الإعلام المعادي الذي تديره جهات معادية، فيتناقلون أخباراً غير صحيحة أو مصدرها العدوّ، من دون الالتفات إلى خطورة الانجرار وراء ذلك. وبما أنّ نواياهم سليمة، فيمكن إيجاد حلول لطريقة عملهم ونشاطهم من خلال الجهات المعنيّة».
*وعي ومسؤوليّة
بالخلاصة، على الرغم من إيجابيّات صفحات مواقع التواصل، إلّا أنّها أصبحت خطيرة ومؤثّرة جدّاً، وخطورتها تكمن في سهولة استغلال المحرّضين والمشبوهين لها. وهنا، تتنامى مسؤوليّة الجمهور كي لا يقع في شِباك المعلومات ويكون فريسة للمحتوى الكاذب أو المضلّل، عبر عدم التعامل مع كلّ ما يتلقّاه ويشاهده ويقرأه على أنّه حقيقة، وتثقيف نفسه في كيفيّة تمييز المصادر والتدقيق فيها واللجوء إلى أخرى معروفة وموثوقة، أو سؤال ذوي الخبرة في الصحافة والإعلام حول أيّ خبر. والأهمّ أن لا يصبح هو نفسه ناقلاً وناشراً لكلّ ما يقع بين يديه من مواد وأخبار قبل التحقّق منها، لئلّا يسهم في نشر ما هو سلبيّ. ويبقى أنّ مناعة بيئتنا ووعيها وثباتها وثقتها وعدم تأثّرها بكلّ ما يشاع عوامل أساسيّة في إحباط أهداف العدوّ ومخطّطاته.