تحقيق: زينب نعمة
ليلة رمضانيّة هادئة كانت تعيشها فاطمة مثلها مثل الآلاف من المواطنين في الضاحية الجنوبيّة والجنوب، أولادها في أسرّتهم ينامون بأمان. وفجأةً، اخترقت هدوء هذا الليل الشتويّ أصوات انفجارات ضخمة ومرعبة. وصل الخبر بعد دقائق معدودة: «إسرائيل» قصفت منطقة حارة حريك في الضاحية الجنوبيّة لبيروت. اضطرّت فاطمة إلى النزوح في تلك الليلة مع عائلتها إلى منطقة آمنة. وفي الوقت نفسه، كان أهالي الجنوب يواجهون الرعب ذاته، ما اضطرّهم أيضاً إلى المغادرة تحت جنح الظلام.
إزاء هذا الواقع وتوسّع رقعة الحرب (في معركة العصف المأكول 2026م)، ازدادت أعداد النازحين بشكل كبير، ما فرض واقعاً صعباً خاصّة وأنّ المواطنين معظمهم لم يستطيعوا أخذ أيّ من حاجياتهم أثناء النزوح. من هنا، برزت الحاجة إلى تأمين الطعام والمأوى والمياه والعديد من الاحتياجات. وقد تُرجم ذلك عبر مئات المبادرات باختلاف أنواعها: ماديّة، ونفسيّة، واجتماعيّة، إلخ، والتي نستعرض بعضها في هذا التقرير الذي أعدّته المجلّة.
*مبادرة «صامدون إيد بإيد»
1. البداية: بدأت مبادرة «صامدون إيد بإيد» بشكل فرديّ عبر الأستاذ علي شحادة، الناشط في المجال الإنسانيّ، ثمّ توسّعت لاحقاً لتضمّ أكثر من 20 شخصاً. تقوم هذه المبادرة على هدف أساسيّ هو مساعدة الناس في أيّ مجال هم بحاجة إليه، انطلاقاً من دافع الإنسانيّة، والإحساس بالآخر، ومحاولة إغاثة الملهوف؛ لأنّ جبهة العمل الإنسانيّ لا تقلّ أهميّة عن الجبهة العسكريّة.
2. الخدمات: يتحدّث شحادة، لمجلّة بقيّة الله، عن الأدوار المتعدّدة التي قام بها في مختلف المجالات خلال هذه الحرب، والتي تتلخّص بتأمين احتياجات الصامدين في الجنوب والنازحين الموجودين في الأماكن الآمنة على حدّ سواء، من المأكل والمشرب والملابس، بالإضافة إلى مواد التنظيف وحليب الأطفال والرضَّع. فضلاً عن تقديم الدعم النفسيّ للأطفال، عبر إجراء نشاطات تفريغيّة وترفيهيّة، وتوزيع الألعاب والبالونات.
حاولت مبادرة «صامدون إيد بإيد» أن تؤمّن كلّ الاحتياجات للنازحين. وكان فريق العمل، وما زال، يقدّم مجهوداً عظيماً وكبيراً في سبيل مساندة العوائل والوقوف إلى جانبهم، في مختلف أماكن وجودهم.
3. أرقام ووقائع: وقد بلغ العدد الإجماليّ للحالات التي قّدُمت لها المساعدات 7 آلاف، في المناطق كلّها وحتّى في أماكن الصمود في الجنوب، إضافة إلى تأمين وجبات يوميّة قّدرّت بنحو 15 ألف وجبة، أي بمعدّل 400 وجبة كلّ يوم، لا سيّما في شهر رمضان المبارك.
حول ذلك، يتحدّث محمد، وهو نازح من عيترون، عن الظروف الصعبة التي قاساها مع عائلته بعد نزوحه عن قريته. بامتنان شديد وشكر عظيم يشرح عن المساعدات التي وصلته عبر مبادرة «صامدون إيد بإيد»، والتي أعانته على تأمين مستلزمات البقاء والصمود، من طعام ومياه واحتياجات كثيرة، لمدّة طويلة ومستمرّة.
*مبادرة دعم لعوائل الشهداء
هي مبادرة أطلقتها الاختصاصيّة في مجالَي النطق واللغة والمحاضرة في الجامعة الإسلاميّة الأستاذة ريان نجدي، لتقديم الدعم النفسيّ والمساندة للأسر التي استشهد فيها الأب في الحرب. توضح نجدي أنّ منشأ الفكرة كان الإحساس العالي بالمسؤوليّة، وضرورة تقديم شيء لهذه الفئة التي تتحمّل مسؤوليّة ضخمة، وهي تربية الأبناء.
تسعى هذه المبادرة لإيجاد حلول للمشكلات السلوكيّة الصعبة التي يواجهها الأولاد الأيتام بعد فقدان الوالد، مثل المرور بمرحلة الصدمة، وتغيّر الحياة بشكلٍ جذريّ، عبر خطوات ممنهجة ونصائح عمليّة تساعد الزوجات في عبور هذه المرحلة الصعبة (مرحلة ما بعد الفقد) بأقلّ الأضرار النفسيّة.
*مبادرة دعم وتمكين النازحين: «دولار واحد بيعمل فرق»
هي مبادرة أطلقتها الناشطة الاجتماعية سندريلا بدران تهدف إلى تأمين الدعم المادي للنازحين وتمكينهم ومساندتهم نفسيّاً وعاطفيّاً. فقد قامت بتأمين الخدمات الأساسيّة والاحتياجات الضروريّة، لا سيّما الأدوية، عبر مبادرة فرديّة تحت عنوان: «دولار واحد بيعمل فرق».
فضلاً عن ذلك، قامت بدران بجهود جبّارة من أجل تأمين بعض المشاريع الصغيرة، كالبسطات الصغيرة ومشروع الصاج لإحدى النازحات؛ بهدف تمكين النازحين والأخذ بيدهم للاعتماد على أنفسهم في ظلّ ظروف اقتصاديّة صعبة وقاهرة. كذلك، عملت في مجال دعم الصغار والكبار نفسيّاً.
*التجمّع العلميّ للنفسانيّين: «رحماء بينهم»
1. البداية: أطلق التجمّع العلميّ للنفسانيّين مبادرة «رحماء بينهم» في العام 2024م، انطلاقاً من موجبات نفسيّة وإنسانيّة وإيمانيّة، وعملاً بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة: 32).
وقد توسّعت رقعة استجابة المبادرة مع تطوّر الأحداث الأمنيّة في لبنان. وفي حديث لرئيس التجمّع، الدكتور أحمد شقير، قال إنّ هذه المبادرة جاءت كاستجابة إنسانيّة ونفسيّة مُلحّة للمساهمة في سدّ الفجوة الكبيرة في قطاع الصحّة النفسيّة أثناء الأزمات والحروب.
2. الدوافع: فبينما تتّجه معظم الجهود الإغاثيّة نحو الاحتياجات الماديّة والبيولوجيّة الأساسيّة (كالغذاء والإيواء)، رصد التجمّع مؤشّرات مقلقة حول صحّة النازحين النفسيّة، وارتفاعاً ملحوظاً في معدّلات الصدمات غير المعالجة، وخاصّة عند الأطفال الذين يعانون الفقد، ما استدعى إطلاق هذه المبادرة للتدخّل النفسيّ التخصصيّ، من أجل تحصين الجانب النفسيّ للفئات المتضرّرة.
3. الخدمات: يقدّم التجمّع حزمة متكاملة من الخدمات، كالإسعافات النفسيّة الأوّليّة للتعامل السريع والمباشر مع الأزمات النفسيّة والصدمات الحادّة فور وقوعها في حالات الطوارئ، مثل نوبات الهلع والقلق.
كذلك، يقدّم الدعم النفسيّ الاجتماعيّ عبر برامج نوعيّة لتعزيز المرونة والمناعة النفسيّة وجلسات التفريغ الانفعاليّ المُمنهجة. فضلاً عن التدخّلات العلاجيّة المتخصّصة لعلاج اضطراب ما بعد الصدمة، والاكتئاب، واضطرابات القلق الناجمة عن الظروف والأحداث الأمنيّة.
4. الفئات المتسهدفة: تستهدف المبادرة الشرائح الأكثر هشاشة وعرضة للمخاطر النفسيّة في مناطق النزوح ومراكز الإيواء، مثل الأطفال واليافعين، ولا سيّما الذين يعانون من اضطرابات سلوكيّة ناتجة عن الخوف أو صدمات الفقد. مضافاً إلى النساء والفتيات لتمكينهنّ وتطوير آليّات التكيّف لديهنّ في مواجهة ظروف النزوح، وكبار السنّ والمرضى وذوي الاحتياجات الخاصّة، بما يتناسب مع متطلّباتهم الصحيّة والجسديّة.
5. أماكن العمل: تتركّز العمليّات الميدانيّة للمبادرة في بيروت، ومناطق الصراع وتخومها، ومراكز الإيواء والنزوح الداخليّ، بالإضافة إلى المخيّمات الطارئة التي يلجأ إليها النازحون. وتحرص المبادرة على التحرّك وفق خارطة جغرافيّة مرنة تُحدَّث دوريّاً بما يتلاءم مع مؤشّرات الاحتياجات الإنسانيّة والتطوّرات الأمنيّة، لضمان الوصول إلى الفئات الأكثر عزلة وتضرّراً.
ومنذ تجدّد الحرب في 2 آذار/ مارس 2026م، تمكّنت المبادرة من تقديم الخدمات النفسيّة التخصصيّة (المباشرة وغير المباشرة) لأكثر من 40 مركز إيواء، مستهدفة الآلاف من النازحين.
هذه عيّنة من مبادرات فرديّة إنسانيّة انطلقت مع بداية الحرب الأخيرة، لتقدّم نموذجاً راقياً عن أشكال التضامن والتضافر بين أبناء المجتمع اللبنانيّ الواحد، موجّهةً رسالةً واضحةً للعدوّ الصهيونيّ: نحن صامدون وراسخون في هذه الأرض مهما اشتدّت المحن وعظمت التضحيات. يداً بيد سنعيد بناء الإنسان والوطن!