د. علي ضاهر جعفر
بعد رحيل الإمام الخمينيّ قدس سره في العام 1989م، تصدّى الإمام عليّ الحسينيّ الخامنئيّ قدس سره بعد مدّةٍ مرجعاً له الكثير من المقلّدين في إيران والدّول الإسلاميّة. ومع الوقت، بدأت تظهر صفات الإمام الخامنئيّ العظيمة التي أهّلته لأن يكون في أهمّ موقع بعد موقع الإمام المعصوم عليه السلام عند الشيعة الإثني عشريّة، وهو موقع الوليّ الفقيه الّذي تسلّمه قبل أن يكون مرجعاً؛ فالإمام الخامنئيّ قدس سره ذو علمٍ واسع بالفقه وأصوله، وذو قدرٍ عالٍ من التقوى، وحسن الإدارة، والدّراية، والخبرة السّياسيّة، شجاعٌ، رحيمٌ، عادلٌ، أبيٌّ، حكيمٌ، ولكنّه أيضاً قارئٌ نهمٌ وعارفٌ بالأدب، ذوّاقٌ له، مهتمٌّ به.
وسعياً للكشف عن هذا الجانب المضيء عند الوليّ الشّهيد، نستعرض في هذه المقالة أبرز محطّات علاقته بالكتاب والأدب وسماتها في شخصيّته وسيرته المباركة.
* النظرة إلى الكتاب والمطالعة
يرى الإمام الخامنئيّ قدس سره أنّ القراءة ليست فعلاً عبثيّاً، وليست للمتعة وحدها، بل هي «فعلٌ» واعٍ، يهدف إلى الاستفادة في تكوين المعرفة والتجربة والثقافة والدراية. وهو في هذا السياق، يؤكّد مجموعة من النّقاط، أبرزها ما يأتي:
1. عدم القراءة بشكل سطحيّ: يحذّر السيّد الشهيد قدس سره من القراءة بشكل سطحيّ أو الاكتفاء بقراءة العناوين وحدها حتّى عند قراءة الجريدة اليوميّة.
2. شموليّة القراءة: يدعو القائد الشهيد قدس سره إلى أن تكون القراءة دأب كلّ النّاس وشغفهم، ونراه يتوجّه بتوصيف فيه بصمة قرآنيّة عندما يقول: «مع أنّنا ألّفنا أكثر الكتب على امتداد القرون الماضية، لكنّنا اليوم وعلى امتداد القرون الثلاثة الأخيرة، أصبحنا من الشعوب الأقلّ حظّاً من معارف الكتاب والمكتوب»(1).
3. الحرب فرصة للكتابة: بما أنّ الأدب المقاوم وأدب الثورة يرتبطان بالحرب، ولأنَّ الحرب من أهمّ ما ينبغي أن يُكتب عنه، يقول الوليّ الشهيد قدس سره: «إنّ أجمل الروايات وأفضل الأفلام، وربّما أسمى القصائد الشّعريّة، قد أُنشِدَت وأُلقِيَتْ وأُلِّفَت وظهرت في الحروب ومن وحيها»(2).
4. صيرورة المطالعة عادة يوميّة: يدعو السيّد القائد إلى أن «تدخل المطالعة حياة النّاس كالأكل والنّوم وسائر الأمور اليوميّة»(3). ومن الحوادث الّتي تؤيّد هذا الأمر، ما رواه سماحته نفسه، أنَّه وجميع أفراد عائلته يطالعون يوميّاً قبل النّوم، بل إنّهم جميعاً ينامون والكتاب في أيديهم(4).
5. ترجمة الكتب الجيّدة: انطلاقاً من مبدأ التثاقف، والاستفادة من النتاج المعرفيّ والفنّيّ للأمم، يدعو سماحة القائد الوليّ –ريثما تُسدّ الثّغرات الخاصّة بأدب الثّورة– إلى أن تُتـرجم الكتب الجيّدة عند الأمم الأخرى، لأنّ «التّرجمة أمرٌ مهمٌّ جدّاً»(5) وفق تعبيره. مع إشارة سماحته إلى أنّ ثمّة، في العالم، في مجالات القصّة والرّواية والتّحقيقات التّاريخيّة «الكثير ممّا يمكن أن ينفعنا»(6)، داعياً إلى ترجمة هذه الأعمال والنّتاجات.
6. الإجراءات التّربويّة المحفّزة على المطالعة: يدعو سماحة الإمام الخامنئيّ قدس سره إلى مجموعة من الخطوات والبرامج الّتي تسهم في توثيق العلاقة بالكتاب والمطالعة. ومن هذه الخطوات: الطباعة الجيّدة، والاهتمام بأدب الأطفال الّذي يستفيد من الثّورة، واعتماد الطّباعة الرّخيصة لاتّساع نطاق توزيع المنشورات الورقيّة، والوصول إلى طباعة الكتاب بأعداد كبيرة (يطمح القائد في المجتمع الإيرانيّ أن يطبع من الكتاب 300000 نسخة). فضلاً عن منح المساعدات لأصحاب المطالعة والمهتمّين بها، وترويج المسؤولين لها، ممّن يُستمَع إليهم ويَترك رأيهم تأثيراً في الآخرين للكتب الجيّدة في كلّ باب، ما يدفع لمزيد من الإقبال عليها. إضافة إلى التّرويج لثقافة كتاب الجَيْب، وعرض الكتب في القطار والحافلات والمراكز الإداريّة، وإقامة مسابقات للمطالعة في المدارس والمدن وفي أنحاء البلد كافّة مع بثّها في التّلفاز، وتخصيص حصّة أسبوعيّة للمطالعة في المدارس، واعتماد معرض دائم للمطالعة، وتخصيص أسبوع للمطالعة في كلّ عام. وكذلك الإنفاق على الكتب والنّظر إلى هذا الإنفاق على أنّه من الضّروريّات لا الكماليّات، والمطالعة قبل النّوم، وقراءة الكتب والقصص للأطفال قبل النّوم.
* شغف البدايات وصناعة القائد
بدأ الإمام الخامنئيّ قدس سره بالقراءة منذ كان في منزل والده، الّذي كان لديه مكتبة كبيرة ينهل وليّنا الشّهيد من الكثير من كتبها، الّتي لم تكن لتروي ظمأه، فيذهب إلى مكتبة الحرم الرّضويّ في مدينته مشهد، فيستغرق في المطالعات ساعات. وكان قدس سره أيضاً يستأجر الكتب من مكتبة قريبة من منزل الأهل أيّام الشّباب. وليس الكتاب أو المطالعة بطارئين لدى هذا العظيم، لكنّهما كبرا معه حتّى يصحّ القول إنّهما خالطا لحمه ودمه. فلقد عرف وليّنا المطالعة منذ مرحلة الصّبا، فكانت مطالعته أشبه ما تكون بروضة غنّاء فيها من كلّ الثّمرات؛ فهو يذكر أنّه إلى جانب الكتب الدّراسيّة، كان يقرأ كتب: التّاريخ، والأدب، والشّعر، والقصّة، والرّواية. وإذا ما تأمّل المرء في هذه العناوين، فضلاً عمّا اشتغل به إمامنا في الدّراسة الدّينيّة الحوزويّة، فهو يجد دائرة معارف كفيلة بصنع شخصيّة قياديّة عميقة الغور، واسعة الفهم، مرهفة الحسّ، ممسكة بزمام تجارب الأفراد والأمم. وقد استطاع سماحته، في ما أسبغ الله عليه من عمر مبارك، أن يترجم هذه المعارف والقراءات في عمله الدّينيّ والثقافيّ والجهاديّ والسياسيّ والفكريّ. وهنا، يمكن القول إنّ سماحته وظّف في قراءته بعدين اثنين هما: المتعة والفائدة. فلم يكن وليّنا كلاسيكيّاً فيحصر الأدب بالفائدة، ولا رومنسيّاً فيقصره على المتعة، بل جمع في رؤيته إلى العلوم والآداب بين كلا الأمرين، لتكون الجذور شتّى لشجرة طيّبة تؤتي أكلها كلّ حينٍ بإذن ربّها.
أمّا علاقة القائد بالأنواع الأدبيّة، فلا تبدو محصورة في نوع واحد، فتراه في كلّ نوع ذوّاقاً، قارئاً، ناقداً، ومهتمّاً.
*أدب الثورة
من الجوانب البارزة أيضاً في قراءة سماحته واهتماماته ما يسمّى بأدب الثّورة، فقد واكبه منذ بداياته، وأبدى نقده الخاصّ به، فحفّز وشجّع ونوّه، لكنّه أيضاً ينتقد ويبدي التّصويبات ويقوّم الاعوجاج انطلاقاً من مهمّته في القيادة، وعدِّ الثّقافة والأدب سلاحاً ناجعاً شرط أن يكون العمل مراعياً لما فيه المنفعة والمصلحة؛ فها هو يقول: «لقد نظرت فرأيت أنّ معظم هذه الكتابات هي حول فيلق محمّد رسول الله، ولا خبر عن الفيالق الأخرى الّتي كان لها كلّ هذه الأدوار في الحرب على الإطلاق. لقد انبرى السّادة الطّهرانيّون وذهبوا إلى الجبهة، واستقرّوا في فيلقهم، بعدها عادوا وكتبوا هذه الكتابات!... في ألوية أصفهان، ولواء النّجف، ولواء الإمام الحسين عليه السلام، ولواء النّصر – مشهد، ولواء الإمام الرّضا عليه السلام، ولواء ثار الله، ولواء الفجر، والألوية المتنوّعة المنتشرة في كلّ مكان، عالمٌ من الثّورة والحماسة، فلأيّ سبب لا يمكنهم أن يكتبوا؟»(7). ويقول أيضاً: «لقد صدرت في بلدنا هذا الّذي هو –وبحسب قولكم– منبع الأدب المقاوم، كتابات أدبيّة ضدّ الحرب من قبل أناس مغرضين! ففي عامَي 1982م و1983م كتب ذلك السيّد كتاب الأرض المحروقة، الّذي هو ضدّ الحرب بالكامل... لقد تعجّبت عندما رأيت في إحدى الصحف الخاصة أنّ أحد الإخوة كتب كتاباً حول أدب الحرب، وقدّم كتاب الأرض المحروقة كواحد من أوائل الكتب الّتي عُنوِنَتْ تحت باب أدب الحرب! لماذا ينبغي أن يكون الوضع على هذا النّحو؟»(8). ويقول سماحته أيضاً: «بقينا محرومين إلى حدّ كبير من استخدام الفنّ في إبلاغ رسالات الثّورة وقيمها، أي أنّ ذلك القدر اللّائق لم يتحقّق»(9).
لكنّ هذا القائد نفسه يدوّن على كلّ قصّة أو رواية خاصّة بأدب الثّورة ما يصير قطعة فنّيّة روحيّة موازية للعمل الأصل. ومن الشّواهد ما كتبه سماحته في تعليقه على كتاب «قائدي»: «السّلام عليكم يا أولياء الله وأحبّاءه، السلام عليكم يا أصفياء الله وخيرته، السلام عليكم يا أنصار دين الله وأعوان وليّه، يا آيات الله، يا معجزات الإيمان، يا دلائل سموّ الإنسان الخالد... يا وروداً حمراء لم يستطع كلّ فساد العالم المعاصر وتلوّثه أن يمنع من تفتّحها، يا برقاً شديداً أنار دنيانا المظلمة... يا حجّةً دامغةً على قاصري النّظر...»(10).
(1) أنا والكتاب، الإمام الخامنئيّ قدس سره، ص 54.
(2) المصدر نفسه.
(3) المصدر نفسه، ص 57.
(4) المصدر نفسه، ص 87.
(5) المصدر نفسه، ص 71.
(6) المصدر نفسه، ص 58.
(7) المصدر نفسه، ص 59.
(8) المصدر نفسه، ص 59-60.
(9) المصدر نفسه، ص 66.
(10) المصدر نفسه، ص 92.