40 عاماً في خطّ الولاية والمقاومة
ملامح من سيرة القائد الجهاديّ الكبير
يوسف إسماعيل هاشم (السيّد صادق)
تحقيق: د. فاطمة خشّاب درويش
هو رجلٌ اختار موقعه بوضوح، في خطّ الولاية، ملتزماً بما حُمّل من تكليف، واثقاً بقيادة المقاومة وقراراتها. لم يكن كثير الكلام، بل من أولئك الذين يفعلون أكثر بكثير ممّا يقولون، وقد امتدّ أثره عبر أربعة عقود، رافق فيها رفاق دربه منذ البدايات، أوفياء لدماء الشهداء القادة الذين شكّلوا ملامح الطريق الأولى، وبقي على العهد كما بدأ. خبرته جبهات المقاومة بين لبنان والعراق وساحاتٍ أخرى، حيث لم يكن حضوره عابراً، بل جزءاً من مسارٍ طويل ترك في كلّ محطّة بصمته الخاصّة، بين الميدان والتجربة والالتزام. وعلى الرغم من ثقل المسؤوليّات، حافظ على ذلك الخيط الإنسانيّ الرفيع؛ فكان قريباً من رفاقه، يعرفهم ويحنو عليهم.
وعلى هذا المنوال، استمرّ في موقعه في الميدان، وفي علاقته التي ترسّخت عبر السنوات مع القيادة، حتّى لحظات حياته الأخيرة، وهو يتولّى مسؤوليّته في الجبهة الجنوبيّة، حيث كُتبت خاتمة الطريق شهادةً، كما عاشها مواجهةً.
ما يأتي ليس توثيقاً كاملاً لحياة الشهيد السيّد يوسف هاشم (السيّد صادق)، بل ما خرج بهدوء من ذاكرة رفيقة الدرب والجهاد، الحاجة أمّ محمّد..
*منذ الطلقة الأولى
تقول الحاجة أمّ محمّد إنّ انطلاقة السيّد صادق في مسار المقاومة بدأت بعد الاجتياح الإسرائيليّ للبنان في العام 1982م مباشرة، حيث انتقل من وظيفته في إحدى الشركات إلى ساحة العمل الجهاديّ. كان ذلك التحوّل لحظة مفصليّة، إذ التحق بالرعيل الأوّل من المجاهدين الذين شكّلوا النواة الأولى للمقاومة في الجنوب، وكان معظمهم من الشباب في بداية العشرين من عمرهم. وتضيف: «كان الدافع في تلك المرحلة مزدوجاً، يجمع بين البُعد الدينيّ والإيمان العقائديّ من جهة، والبُعد الثوريّ في مواجهة الاحتلال من جهة أخرى».
*علاقته بقادة المقاومة ومسار الجهاد
منذ البدايات، ارتبط السيّد بشدّة بقادة المقاومة الأوائل، وعلى رأسهم الشيخ راغب حرب والسيّد عبّاس الموسويّ (رضوان الله عليهما)، حيث تميّزت علاقته بالأخير بقربٍ استثنائيّ وملازمة طويلة.
تقول أمّ محمّد: «كان قريباً جدّاً من السيّد عبّاس، وكان بيتنا آخر ما زاره سماحته في جبشيت قبل الاستشهاد». كذلك، كانت تربط السيّد صادق علاقة مميّزة بقيادة المقاومة والشهيد الأسمى سماحة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه)، في إطار ثقة والتزام بخطّ الولاية.
*قائد الجبهات
شارك في جميع معارك جبهات الجنوب تقريباً منذ العام 1982م، من صيدا إلى الإقليم، فبنت جبيل وصور وسائر الساحات. تقول الحاجة أمّ محمّد: «في العام 2006م، كنّا في إيران. فما إن اندلعت الحرب، حتّى غادرنا إلى سوريا. وبعد يومين، كنّا في طريقنا للعودة إلى لبنان، فيما انطلق هو مباشرةً إلى الجنوب في اليوم التالي». وتضيف قائلةً: «لم يكن ليعود إلّا بعد عودة أغلب الشباب، وذلك في جميع الحروب من دون أيّ استثناء».
*رجل الولاية والالتزام بالتكليف
كان ملتزماً بخطّ الولاية مع ثقة مطلقة بقيادة المقاومة. لم يكن يرى التكليف خياراً بل التزاماً مباشراً. تقول الحاجة أمّ محمّد: «لم يكن لديه أيّ شكّ أو اعتراض على أيّ قرار قد تتّخذه قيادة المقاومة». وتذكر حادثة كانت تتكرّر سنويّاً مع السيّد: «كان يحجّ في كلّ عام، وقبل عزمه على الرحيل، كان يزور سماحة السيّد مستأذناً بقوله: (يا سيّد، أبتغي براءة الذمّة). وعند عودته، كان يُبلغه برجوعه، فيردّ عليه سماحة السيّد مازحاً: (هل تريد طلب براءة الذمّة مجدّداً؟ وعَمَّ تطلبها؟)». فيردّ عليه السيّد صادق بالقول: «قد يكون ثمّة تفصيل صغير لم ألتفت إليه، لذلك، أريد أن أكون بريء الذمّة في كلّ شيء.»
*سرّيّ للغاية
اتّسم عمل السيّد صادق الجهاديّ بدرجة عالية من السرّيّة جعلت تفاصيل مسيرته بعيدة حتّى عن أقرب المقرّبين إليه، وهو نهج استمرّ لعقود. تؤكّد الحاجة أمّ محمّد هذا الأمر قائلةً: «لم يكن يتحدّث حتّى عن نفسه». وتروي حادثة لافتة حصلت معها: «مرّةً، رأيت صورة تجمع السيّد (ذو الفقار) والحاج عماد مغنيّة مع شخص ثالث وجهه مغطّى، فقلت له: أهذا أنت؟ فأنكر ذلك حتّى اقتنعت بكلامه. ولكن بعد استشهاده، تأكّدت أنّه ذاك الشخص نفسه!.»
*الحالة الروحيّة والإيمانيّة
كان السيّد شديد الالتزام بالعبادات اليوميّة، من الصلاة في أوّل وقتها، إلى قيام الليل وصيام النهار، مروراً بالمواظبة على زيارة عاشوراء، التي كانت جزءاً ثابتاً من برنامجه العباديّ ووصاياه، بحسب ما تؤكّد الحاجة أمّ محمّد. كما كانت له علاقة خاصّة بأهل البيت عليهم السلام، وخصوصاً الإمام الرضا عليه السلام. وكان يزور المقامات الشريفة بشكل متكرّر، حيث كان يمضي ساعات طويلة فيها لأداء العبادات والزيارة بخشوع واضح.
*العلاقة مع العائلة والأقارب
على الرغم من انشغاله الدائم في العمل الجهاديّ، بقي السيّد حاضراً مع العائلة بشكل دائم، ويتابع التفاصيل الصغيرة والكبيرة، ويسأل عن الجميع من دون استثناء.
تقول الحاجة أمّ محمّد: «كان يحرص على السؤال عن جميع أفراد العائلة، صغيرهم وكبيرهم، بدءاً من أبناء أخواته، وصولاً إلى أبعد الأقارب. ولم يُسمع منه قطّ كلمة جارحة، حتّى في أوقات مزاحه كان لطيفاً، لا يجرح مشاعر أحد ولا يزعج أحداً بكلامه».
*لم نرَ منه إلّا خيراً
اتّصف السيّد صادق بحُسن الخلق، والتواضع، والوفاء. كان قليل الكلام، واضح الأثر، شديد الاحترام في تعامله مع الجميع، ولا يُعرف عنه إلّا الكلمة الطيبة. تقول أمّ محمّد: «لا أعرف كيف أصفه حقّ الوصف؛ فطوال هذه السنين كلّها، لم أرَ منه إلّا الخير، ولم أسمع منه إلّا الكلمة الطيّبة. لقد عاش السيّد صادق شهيداً ورحل شهيداً».
لقد كان الفقد كبيراً على العائلة وكلّ من عرفه، إذ فقدوا مساراً كاملاً من الحضور الإنسانيّ والجهاديّ امتدّ لسنوات طويلة.
وفي الختام، تتوجّه عائلة القائد الجهاديّ الكبير السيّد صادق بالدعاء لأمين عام حزب الله سماحة الشيخ نعيم قاسم (حفظه الله) بالدعاء: «نسأل الله أن يسدّده، ويكون لنا قوّةً وسنداً لنواصل هذه المسيرة، ويتحقّق النصر بجهود المجاهدين وثباتهم».