ما الفرق بين المرجعيّة ومنصب ولاية الفقيه؟ فقه الولي | من أحكام النزوح الوليّ الفقيه: كيف يختاره الفقهاء العدول؟ القائد المجتبى لطفٌ من الله أسباب الانتصار مع الإمام الخامنئي | احفظوا أثر الشهداء* الافتتاحية | كيف ننتقم لك؟ مع الإمام الخامنئي | الإمام عليّ منارة العلم والتقوى* نور روح الله | شهر رمضان يوقظ الأمّة* فقه الولي | من أحكام الصوم

القائد المجتبى لطفٌ من الله

السيّد بلال وهبي


هو الله سبحانه وتعالى في الساحة، الحاضر أبداً مع عباده وأوليائه، يؤيِّدهم، ويسدِّدهم، ويهيّئ لهم من أمرهم رشَداً، أليس هو القائل وقوله الحق، ووعده الصدق: ﴿والَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت: 69).

* تمادي العدوّ ووهم الإنجاز الاستراتيجيّ
منذ معركة طوفان الأقصى وإلى الأمس القريب، كان عدوّ الله والإنسانيّة كلّها يراكم الإنجازات العسكريّة، ويتوسَّع في الجغرافيا، وتمتدّ يده الخبيثة إلى حيث يشاء في الإقليم، فيضرب هنا وهناك من دون رادع، حتّى من دون خوف من ردّ فعل، ويغتال هذا وذاك، ويهدّد ويُرعد ويتوعَّد، ويكشف عن نواياه الخبيثة في تشكيل شرق أوسطيّ تكون له فيه الكلمة العُليا واليد الطولى. بل ذهب بعيداً في الكشف عن نواياه في إقامة دولته الكبرى المزعومة، يساعده على ذلك صهاينة مسيحيّون في بلاد الشيطان الأكبر، معتقدين أنّ إقامتها شرط ضروريّ لعودة السيّد المسيح إلى الأرض وإقامة مملكة الألف عام، وأنّ واجبهم أن يخوضوا حرباً مدمِّرة تُزهَق فيها الأرواح.

إزاء هذه الاندفاعة، تباينت مواقف كثيرين بين التواطؤ معهم، والاستسلام لهم، وفقدان الأمل، فاسودّت في وجوههم الدنيا، وأظلمت أيّامها، وكانت تزداد ظلمة مع كلّ منزل يدمِّره العدوّ، ومع كلّ شابّ يقتله، وكنّا نقول لإخواننا الغيارى على الدين والإسلام المحمّديّ الأصيل، إنّ تلك الإنجازات التي ينجزها العدوّ عابرة، وهي شرط لهزيمة استراتيجيّة كبرى إن شاء الله، فالله تعالى يستدرجهم بما يُنجزون إلى ما يهلكهم ويكسر شوكتهم، إذ: ﴿يَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال: 30).

* اغتيال القائد: من خيبة العدوّ إلى عزيمة الأمّة
كان ممّا استدرجهم الله إليه اغتيالهم سماحة الإمام القائد الشهيد السيّد عليّ الخامنئيّ قدس سره، بحيث جعلوا اغتياله أعلى أهدافهم، وقد مَنّوا نفوسهم الخبيثة بسقوط النظام الإسلاميّ العظيم بشهادته، غافلين عن واحدة من أهمّ مميّزات هذا النظام وجماهيره داخل إيران الإسلام وخارجها، وهي عدُّ الشهادة في سبيل الله أعلى أمنيات المؤمن، وأجمل خاتمة تُختَم بها حياته، وأنّها هي التي توقد في النفوس جذوة الإيمان وتزيدها توهّجاً، وتتحوَّل إلى طاقة روحيّة وإيمانيّة خلّاقة تدفع الأمّة إلى التماسك والتعاضد والتكافل، وتجعل من الشهيد شمساً ساطعة لا تغيب مع الأيّام، وقدوة صالحة يحتاجها السائرون إلى الله تعالى.

لقد رأينا كيف خابت أمانيهم، «والأماني بِضاعَة الحمقى»، كما يقول الإمام أمير المؤمنين عليهم السلام؛ فقد التفَّ الشعب الإيرانيّ المؤمن والصبور حول قيادته ونظامه المقدَّس، وغدا أكثر تمسُّكاً بخياراته، وبايع بشكل عجيب قائده المعظّم الجديد الذي خَلف القائد الشهيد  قدس سره.

وقد صرَّح الطاغية الأكبر بعد وقت قليل من اغتيال القائد الشهيد   قدس سره أنّه يريد أن يُشارك في اختيار خليفته، فإذا بمجلس الخبراء يصفعه على وجهه الخبيث بعد بضعة أيّام، فيختار ابن القائد الشهيد قائداً ووليّاً. ثمّ يخرج إعلاميّون أمريكيّون قائلين: «لقد استُبدِل خامنئيّ بخامنئيّ».

*العناية الإلهيّة في اختيار القيادة
إنّ هذا الاختيار لم يكن بإرادة أعضاء مجلس الخبراء فحسب، ولم يكن وفق المعايير الصارمة لانتخاب القائد فقط، بل صدر عن لطف الله تعالى بعباده المؤمنين الصالحين؛ فكما أنّ (قاعدة اللطف) تقتضي أن يبعث الله الرُّسُل وينصِبَ الأئمّة، كذلك تقتضي أن يوفِّق الله الأمّة من خلال ممثّليها في مجلس الخُبراء، وجميعهم فقهاء عدول، لاكتشاف الشخص الأجدر والأليَق بهذا الموقع الربّانيّ الخطير، ومُحال على الله تعالى أن يذر المؤمنين وشأنهم في هذه القضيّة الحسَّاسة والخطيرة.

إنّ الله تعالى وعد عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن يمكِّن لهم دينهم، فقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور:  55). وإنّ من أوجه التمكين لهم أن يجعل لهم قائداً يقودهم ولا يتركهم همَلاً تائهين، وأن يجعل لهم من أمرهم في اختيار قائدهم رَشَداً، فلا يتركهم وشأنهم في هذا المضمار.

*من وعد «سيهديكم الله» إلى تحقيقه
هذا ما كان قد ردَّده سماحة الإمام القائد الشهيد قدس سره أكثر من مرَّة على مسامع عدد من أعضاء مجلس الخبراء الذين كانوا يبذلون جهدهم في استنطاقه بخصوص الشخص الذي يراه لائقاً لمقام القيادة، فكان لا يجيبهم عن شيء من ذلك، ويكتفي بقول: «سيهديكم الله إليه».
وبالفعل، فقد هدى الله الفقهاء إلى اختيار الإمام المفدّى السيّد مجتبى (دام ظله وعِزُّه ونصره الله على أعدائه) الذي اجتباه الله لهذا المقام، بما توفَّر فيه من أهليّة وما امتاز به من ملكات علميّة وإيمانيّة وأخلاقيّة وإداريّة وغيرها من المؤهّلات، وكان دور الفقهاء هو الكشف عنه للناس.

وقد جرى ذلك بسلاسة عجيبة، وجاءت البيعة له بشكل غير متوقَّع، فقد استقبل النّاس انتخابه بفرح وسرور. لقد رأى الشعب في الإمام القائد المجتبى امتداداً لوالده الشهيد الذي استطاع بشهادته المقدّسة أن يعيد التفاف المجتمع حول نظامه وقيادته، وهذا والله من أعظم تجلّيات اللطف الإلهيّ.

نسأل الله تعالى أن يديم لطفه بنا جميعاً، وأن يسدِّد وليّه ويوفّقه في أداء مهمّته العظيمة، وأن يكون له عوناً وناصراً، ودليلاً وعَيناً، وأن يكون آخر وَلِيٍ يُسلِّم الراية لمولانا صاحب العصر والزمان أرواحنا له الفداء.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع