في إحدى المعارك في صدر الإسلام انتشرت شائعة استشهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأنزل الله تعالى آيةً توقظ المسلمين قبل أن تسقط معنوياتهم؛ لأنّ القائد راحل لا محالة يوماً ما، قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ (آل عمران: 144).
ومن هذا المعنى القرآني تنطبق الحكمة الكاملة من وجود مجلس الخبراء في نظام الجمهوريّة الإسلاميّة: ضمان أن تمضي مرحلة الانتقال في موقع القيادة إلى تجديد وامتداد؛ لأنّ هذا المجلس هو الذي يشرف على عمليّة انتخاب القائد الوليّ الفقيه.
لكن تبقى آليّة انتخاب الوليّ الفقيه في الجمهوريّة الإسلاميّة ضمن حيز اهتمام القارئ. لذلك يوجز هذا المقال تلك العمليّة الفريدة.
* الأساس الشرعيّ للانتخاب
تستند شرعيّة مجلس الخبراء في اختيار القائد إلى المنظومة الفقهيّة الإماميّة، إلى نقطتين:
1. شرعيّة (الوليّ نائباً للإمام): وهو المستند الأوّل الذي يرى الفقيه الجامع للشرائط نائباً عن الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف في عصر الغيبة، وفقاً لتوقيعه الشريف: «وأمّا الحوادث الواقعة، فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله»(1).
2. دستوريّة: بناءً على هذا الأساس الشرعيّ، أرسى الدستور الإيرانيّ (المعدّل 1989م) هذه الصلاحيّة للمجلس، بحيث نصّت المادة 107 صراحة على أنّه: «تُوكل مهمّة تعيين القائد إلى الخبراء المنتخبين من الشعب، بحيث يتشاورون بشأن كلّ الفقهاء الجامعين للشرائط المذكورة في المادتين 5 و109. ومتى ما شخّصوا فرداً منهم بوصفه الأعلم بالأحكام والموضوعات الفقهيّة أو المسائل السياسيّة والاجتماعيّة، أو يحظى بشعبيّة عامّة، أو يكون بارزاً في إحدى الصفات المذكورة في المادة 109، ينتخبونه للقيادة»(2).
* لماذا يمثّل مجلس الخبراء ضمانةً للنظام؟
قبل اختيار الوليّ الفقيه، ينتخب الشعب مباشرةً أعضاء مجلس الخبراء، ثمّ يتولّى هذا المجلس مهمّة اختيار قائد الجمهوريّة الإسلاميّة. وبذلك، تمارس الأمّة حقّها في الاستخلاف المستمدّ من الله تعالى، وتكون صاحبة الحقّ في ممارسة السلطة «بالطريقة التي يعيّنها الدستور الإسلاميّ».
وقد حرص المشرّعون في الجمهوريّة الإسلاميّة على أن يكون مجلس الخبراء ضماناً لاستمرارية القيادة واستقرارها؛ فالنظام الإسلامي، لا يقوم على شخص بعينه، بل على منظومة مؤسسيّة متجذّرة في الفقه والدستور. وقد استشهد الإمام الخامنئي قدس سره بالتجارب التاريخية لإثبات أنّ الثورات التي لم تبنِ مؤسّسات راسخة، كالثورة الفرنسيّة مثلًا، انتهت إلى الانتكاس في أقل من خمس عشرة سنة(3).
وبذلك ينجح نظام الثورة الإسلاميّة في تأسيس مبدأ جوهريّ مفاده أنّ «النظام الإسلاميّ والثورة الإسلاميّة لا يعتمدان على شخص معيّن؛ فعلى الرغم من أنّ الأشخاص لهم أدوار ومهام يجب أن يؤدّوها، وتقع على عاتقهم مسؤوليّات مهمّة يجب أن ينهضوا بها، إلّا أنّ النظام لا يقوم عليهم، وهو قادر على مواصلة طريقه من دونهم».
* شروط اختيار الوليّ الفقيه
يحدّد الدستور الإيرانيّ بوضوح، وفقاً للمادة 109، الشروط التي يجب على مجلس الخبراء التحقّق منها عند اختيار الوليّ الفقيه، وهي كالآتي:
أوّلاً: الكفاءة العلميّة المؤهّلة للإفتاء في مختلف أبواب الفقه.
ثانياً: التحلّي بالعدالة والتقوى.
ثالثاً: امتلاك الرؤية السياسيّة الصحيحة، والكفاءة الاجتماعيّة والإداريّة، والتدبير، والشجاعة، والقدرة الكافية على القيادة(4).
وتبعاً لذلك، يقوم مجلس الخبراء بالفحص والانتخاب. وتعدّ هذه الآلية تجسيداً عملياً للتوازن بين الشرعيّة الدينيّة والمشاركة الشعبيّة؛ فالأمّة تنتخب المجلس، والمجلس يختار الولي الفقيه وفق الشروط التي حدّدها الدستور، فتتحقق بذلك الوصايّة الشرعيّة والإرادة الشعبيّة في آن واحد.
* آليّة تعيين القائد عند الشغور
ينصّ دستور الجمهوريّة الإسلاميّة في المادة 111 على أنّه في حال وفاة القائد أو استقالته أو عزله، يتولّى مجلس الخبراء تعيين قائد جديد في أقرب وقت ممكن. وقد أكّد الإمام الخامنئيّ قدس سره أنّ الغاية من هذه الآليّة ضمان استمرار حركة النظام من دون انقطاع.
* نظام الرقابة المتبادلة بين الأمّة والمجلس
لا يقتصر دور مجلس الخبراء على اختيار الوليّ الفقيه فقط، بل يمتدّ ليشمل الرقابة الدائمة على أدائه، والتحقّق من استمرار توافر الشروط فيه.
وتتكامل هذه الآليّة الرقابيّة مع دور الأمّة في انتخاب أعضاء المجلس دوريّاً لتشكيل منظومة محاسبة متكاملة؛ بحيث تخضع هيئة الخبراء لتقييم الناخبين عبر صناديق الاقتراع، فيما يتولّى المجلس بدوره تقييم أداء القائد عبر الرقابة الدستوريّة.
* الغاية الاستراتيجيّة: إرساء التوحيد الاجتماعيّ
تهدف منظومة مجلس الخبراء وآليّة اختيار الوليّ الفقيه إلى غاية كبرى، اختزلها الإمام الشهيد السيّد الخامنئيّ قدس سره في كلمة واحدة: «التوحيد»، بوصفه الهدف الختاميّ للثورة الإسلاميّة القائم على تحقيق وحدة الله في حياة الناس والمجتمع. بذلك، يحرص المجلس على أن يتولّى القيادة دائماً فقيه عادل يؤمن بأهداف الثورة ويملك دوافع الحركة المستمرّة.
(1) بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 53، ص 180.
(2) دستور الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، المادة 107 المعدّل في العام 1989م: «يتولّى اختيار القيادة مجلس الخبراء الذي ينتخبه الشعب».
(3) الإمام الخامنئي قدس سره، لقاؤه مع أعضاء مجلس خبراء القيادة 2024م/11/07.
(4) راجع ما ورد في المادة 109 من دستور الجمهوريّة الإسلاميّة.