السيّد الشهيد عبد الحسين دستغيب رحمه الله
ليس كلّ ذنب كغيره؛ فبين الذنب الجسديّ الذي يشفى بعلاج قصير، والذنب القلبيّ الذي يستعصي على العلاج، فارق عظيم. فالقلب إذا تلوّث بداء خفيّ كالحسد، فإنّ تطهيره يحتاج إلى صبر طويل، ومواظبة على «الدواء الإلهيّ»: كتاب الله وعلم أهل بيته عليهم السلام. ولن ينجو من هذا المرض القلبيّ العضال إلّا من عاونه الله، فأضاء قلبه بنور اليقين، وجمع بين العلم النافع والعمل الصالح.
• الالتفات إلى الذنب القلبيّ
على كلّ إنسان عاقل أن يهتمّ بذنبه القلبيّ أكثر من ذنبه الجسديّ، ويبذل في علاجه جهداً أكبر، ولا يتساهل في ذلك، خصوصاً مع ملاحظة أنّ ذنب الجسد واحد ولكنّ ذنب القلب مستمرّ، وأحياناً لا يمكن إحصاؤه. مثلاً: من شرب كأس خمر فقد أذنب ذنباً واحداً، وعليه واجب واحد هو أن يتوب من ذلك.
ولكن، من ضربت جذور الحسد في أعماق قلبه، فهو في كلّ لحظة في المعصية، وفي كلّ لحظة تجب التوبة عليه. والهدف من بيان هذا الأمر الحثّ على الاهتمام بعلاج الحسد بالتفصيل الآتي.
بالإضافة إلى ذلك، بما أنّ الإنسان يرى ذنبه الجسديّ ويعرف أنّه ملوّث به، فبإمكانه أن يندم بسرعة ويتوب فيطهر من ذنبه. ولكنّ ذنب القلب يخفى على الحسّ، إذ إنّ رؤية الإنسان له تحتاج إلى عناية خاصّة، لا سيّما إذا لاحظنا أنّ كلّ نفسٍ تحبّ نفسها، والحبّ يمنع رؤية العيب. لذلك، قيل إنّه لا يمكن لأحد أن يرى عيوبه، بل يجب أن يسأل غيره عنها.
بناءً على ما ذُكر، إنّ واجب كلّ عاقل أن يتنبّه إلى الذنوب القلبيّة، ثمّ يتأمّل في نفسه بعمق ويبحث في زوايا قلبه بدقّة، فإذا وجد لأيّ منها أثراً، فليبذل جهده لعلاجه. وليعلم أنّه إذا كان عبد ما طالباً لصلاح نفسه حقّاً، وسعى من أجل ذلك، فإنّ الله سبحانه سيُفهمه عيوبه ويساعده في علاجها والطهارة من أدرانها.
• العلاج العلميّ للحسد
يجب على المبتلي بهذا المرض أن يسعى للوصول إلى حدّ اليقين الصادق بأمور عدّة:
1. اليقين بالتوحيد الأفعاليّ لربّ العالمين: أي أن يعلم أنّ الفقر والثروة والسلامة والمرض وصولاً إلى الموت والحياة، كلّ ذلك من الله وتدبيره وتقديره.
ومن وصل إلى هذه المرحلة من اليقين، قنع بما أعطاه الله وفرح به وشكر، ولن يجد الحرص بعدها إلى نفسه سبيلاً. وبما أنّه عرف أنّ كلّ شيء مرتبط بالله، فلن يطمع أبداً حتّى يبتلى بالحسد.
ولأنّه يدرك أنّ قلّة الرزق وزيادته من الله، فإنّه لا يهتمّ بشريكه أو منافسه أو زميله حتّى يبتلى بحسدهم. ثمّ إنّه إذا عرف أنّ كلّ ما لديه من الله تعالى، فلن يبخل في سبيله تعالى، خصوصاً مع اليقين بأنّ وعد الله حقّ، وقد وعد سبحانه أنّ الإنفاق سبب لزيادة النعمة. والخلاصة: إنّ إشراقة نور اليقين في القلب تستأصل كثيراً من أنواع الحسد المذكورة.
والتدقيق في الذنوب الجسديّة يكشف أنّ جذورها هي الذنوب القلبيّة التي تنشأ من عدم الإيمان أو من ضعفه. وبناءً عليه، فعلاجها الوحيد هو تقوية الإيمان.
2. المعرفة الواقعيّة للدنيا والآخرة: واليقين بما بيّنه الله تعالى في القرآن المجيد حول حقيقة كلّ منهما، من ذلك: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (الحديد: 20)، أي في طلبـها تعــب ومشقــّة، كمشقّة الأطفال في لعبهم الذي لا فائدة منه، ولهوٌ عن الوصول إلى المقامات الخالدة، وزينةٌ في الطعام واللباس والمسكن وواسطة النقل وغير ذلك، وتفاخر بينكم في الحسب والنسب والمقام، كالنبات الذي يُزرع ثم يهيج فتراه مصفرّاً ثم يكون حطاماً. أمّا حاصل الدنيا سيكون في الآخرة عذاباً شديداً للكافرين، ومغفرةً من الله ورضواناً للمؤمنين، إذاً كلّ مظاهر الدنيا هي متاع الغرور.
3. أن يسأل نفسه: هل تستحقّ هذه الدنيا الحسد؟
إذا تأمّلت أيّها القارئ العزيز قليلاً في أحوال الحريصين والأثرياء وطالبي الرئاسة الحسودين من الماضين، ستعلم أنّهم تماماً كنبات يخضرّ لفترة ثمّ يذبل ويجفّ ويتناثر، أولاء أيضاً يبقون أيّاماً عدّة يأكلون ويشربون ويروحون ويجيئون وترتفع أصواتهم فوق الأرض ويصولون ويجولون، ثمّ يختفون في باطن الأرض بمنتهى الذلّ. فهل يحسد عاقل بعد معرفة حقيقة الدنيا أحداً على الثروة والرئاسة؟ وهل سيكون بعد ذلك طالباً للتفرّد بمقام دنيويّ ليبتلى بالحسد؟
4. معرفة أضرار الحسد الدنيويّة والأخرويّة: الحسود الذي تسبّب نعمة شخص آخر عذابه واضطرابه الداخليّين، يبقى دائماً في اضطراب وتحرّق وغمّ وحزن، ولا يعرف الاستقرار ساعة واحدة. وكما أنّ نِعم الله على عباده لا تنتهي، فإنّ حسرة الحسود وغصّته أيضاً لا تنتهيان؛ فالحسود الثريّ والقويّ يحترق بنار الحسرة، والفقير العاجز الطاهر القلب مرتاح. نذكر هنا بعض أضرار الحسد:
أ. الحسد سجن الروح: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أقلّ الناس لذّة الحسود»(1). وقال أمير المؤمنين عليه السلام: «ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من الحاسد: نفس دائم، وقلب هائم، وحزن لازم»(2).
ب. الخيبة الدائمة: الحسود تلفّ عمره كلّه الخيبة، لأنّ لكلّ فرد في مدّة حياته الدنيويّة مقدّرات حتميّة من الله تعالى، لا تستطيع أيّ قدرة أن تحول دون تحقّقها. ثمّ إنّه لا يخلو شخص من حاسد، ولو قُدّر أن يصل الحاسدون إلى أمنياتهم لكان من المفروض أن تسلب النعم من الجميع، حتّى نِعم هذا الحاسد، فإنّه أيضاً محسود.
ج. قصر العمر: إنّ الألم المستمرّ والمرض يهيّئان الحسود للموت السريع، وباختصار: تصبح الحسرة موتاً. ثمّ إنّ الحسد يحمل صاحبه على القيام بأعمال كقطيعة الرحم، والبغي على عباد الله، وهذان يقصّران العمر. وقد يحمله الحسد على بعض الأعمال التي تؤدّي إلى هلاكه.
قال أمير المؤمنين عليه السلام: «الحقد يُذوي» والحقد من لوازم الجسد. والمراد بـ«يُذوي» أنّه يقصّر العمر(3).
د. الحسود وحيد دائماً: قال أمير المؤمنين عليه السلام: «الحسود لا خلّة له»(4)؛ فلا يصادق أحداً لأنّه يؤذي المحسود بكلماته الجارحة وأفعاله القبيحة، فيثير نفور الآخرين منه، إلى حدّ أنّ زوجته وابنه ينفران منه.
هـ. الحسود لا يسود: قال أمير المؤمنين عليه السلام: «الحسود لا يسود»(5)؛ لأنّه إذا ساد وهو يحمل الحسد ويتمنّى زوال نعمة الآخرين، فسيصدر منه من الفساد ما لا يطاق.
و. زوال الإيمان: الشخص الحسود الذي لا يرضيه أن يمنَّ الله على غيره بنعمة ما، ويتمنّى زوالها عنه؛ فإن لم يرَ أنّ هذه النعمة من الله فكفره به واضح، وإذا عدَّها منه تعالى، ومع ذلك فهو غير راضٍ بها، فقد جعل نفسه في مقابل الله، بل أعلى منه لأنّه يقول بلسان الحال: «النعمة التي أعطاه إيّاها الله منافية لما أراه مصلحة». إنّ حالة الحسد عدم إيمان، وانقطاعٌ عن الله تعالى.
وحقّاً، لو لم يكن للحسد ضرر إلّا زوال الإيمان، لكان كافياً في هلاك صاحبه، لأنّ الفلاح مرتبط به، والشيء الذي يُزيل الإيمان هو مهلك بطبيعة الحال، واجتنابه واجب عقلاً.
ز. زوال الحسنات القلبيّة والبدنيّة: إنّ «الحسد يأكل الحسنات»(6)، فيعجز الحسود عن الاتّصاف بأيّ خُلق إنسانيّ، ويتّصف بالأخلاق السيّئة القبيحة؛ فبدل أن يتعاطى مع الآخرين بمحبّة ونصيحة وصدق ووفاء، تجده يتّصف بالعداوة وحبّ الشر ويتلوّن بالكذب والنفاق.
الحسد داء لا يشفى إلّا بنور اليقين ورضا الله؛ فاحذره قبل أن يُطفِئَ نورَ قلبك!
* مقتبس من كتاب: القلب السليم، للشهيد دستغيب، ج 2، ص 425 - 436.
1. بحار الأنوار، العلامة المجلسيّ، ج 70، ص 250.
2. المصدر نفسه.
3. في الأصل، ورد النصّ «الحقد يذري»، وفي ميزان الحكمة: «الحقد يذري»، وفي نسخة: «يُذوي» بالواو. والظاهر أنّ الصواب بملاحظة النصوص الأخرى الواردة عن أمير المؤمنين عليه السلام في الحقد والحسد، ومنها: «الحسد يذيب الجسد». وإنّ المراد من تفريق المؤلّف بين ما يقصر العمر وما يؤدّي إلى الهلاك الظاهر، أنّ الحاسد قد يبلغ حسده حدّاً يستحقّ معه بتر عمره، ولا يكون هالكاً بل يكون كلّ جزائه بتر عمره، وقد يبلغ حدّاً يستحقّ الهلاك. ثمّ إنّ الروايات في استتباع قطيعة الرحم والبغي قصرَ العمر كثيرة، وواضح أنّ الحسد يؤدّي إليهما. راجع مثلاً: ثواب الأعمال للشيخ الصدوق.
4. غرر الحكم، الآمدي، ح 886.
5. غرر الحكم، مصدر سابق، ح 1017.
6. بحار الأنوار، مصدر سابق، ج 70، ص 30.