مناسبة | من رُزق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حُبّها أذكار | شهر رمضان المبارك آخر الكلام | الأوراق المغلّفة الافتتاحية | ما أفضل أعمال شهر رمضان؟ القرآنُ مشروع حياة القرآن يربّي أبناءنا -سورة النور نموذجاً- القرآن يرشدُ عقولنا القرآن يهذّب سلوكنا القرآن يُعلمنا التوحيد مع الخامنئي | كنوز البعثة النبويّة*

مفاتيح الحياة | "اعمل...واستغنِ عن الناس"(*)

آية الله الشيخ عبد الله الجوادي الآملي


جاء في الحديث القدسيّ: "قال الله تعالى في ليلة المعراج: يا أحمد! إنَّ العبادة عشرةُ أجزاءٍ تسعةٌ منها طلبُ الحلال، فإذا طيّبت مطعمك ومشربك فأنت في حفظي وكنفي"(1).

لقد أكّد الإسلام على أنّ الله سبحانه وتعالى كفيل بتأمين رزق العباد، وفي الوقت نفسه، حثّ على السعي والمثابرة، فقد جاء في القرآن الكريم: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (النجم: 39). فما هو موقف الإسلام من مسألة السعي في طلب الرزق أو عدمه؟ وما هي حدود هذا الأمر وضوابطه؟

* لكسب الرزق حدود
بيَّن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أنّ السعي من أجل طلب الرزق الحلال ليس بأقلّ من السعي في سبيل الله، إذ قال عليه السلام: "ما غدْوَةُ أحدكم في سبيل الله بأعظم من غُدْوَتِهِ يطلبُ لوُلده وعياله ما يُصلحهم"(2). وثمّة روايات ذمَّت قلّة الهمّة؛ لأنّها تحول دون التطوّر والارتقاء، ووصفت الكسل بأنّه مدعاة للحقارة والذلّة، وبيّنت قبح سؤال الآخرين والتطفّل عليهم. في المقابل، نهت روايات أخرى المرء عن تحميل نفسه ما لا تطيق، وحرّمت مواصلة الليل بالنهار والعمل بحيث ينسى حقّ أعضاء بدنه عليه، وإن كان كسبه ليس بحرام: "مَنْ باتَ ساهراً في كسبٍ ولم يُعطِ العين حظَّها من النوم؛ فكَسْبُهُ ذلك حرامٌ"(3).

* العمل والجدّ نهج الأنبياء عليهم السلام 
جاء في القرآن الكريم عن النبيّ داود عليه السلام: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ﴾ (الأنبياء: 80). وروي عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "ما أَكَلَ أحدٌ طعاماً قطُّ خيراً من أن يأكُلَ من عملِ يده، وإنَّ نبيَّ الله داوُد عليه السلام، كان يأكُلُ من عملِ يدِهِ"(4).

وروي أنّ رجلاً أتى أبا عبد الله عليه السلام فقال: "إنِّي لا أُحسِنُ أن أعمل عملاً بيدي، ولا أُحسِنُ أن أتَّجِرَ وأنا مُحارَفٌ(5) مُحتاجٌ. فقال: اعمَلْ فاحْمِلْ على رأسك واستغنِ عن الناس، فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد حمل حجراً على عاتقه فوضعه في حائط له من حيطانه وإنَّ الحجر لفي مكانه"(6)، والحائط هو البستان.

* كان عليه السلام يحتطب ويسقي
وقال الإمام الصادق عليه السلام: "وكان أمير المؤمنين عليه السلام يضربُ بالمرِّ ويستخرجُ الأرضين... وإنَّ أمير المؤمنين عليه السلام أعتق ألف مملوكٍ من ماله وكدِّ يده. وكان أمير المؤمنين عليه السلام يحتطِبُ ويستقي ويكنُسُ وكانت فاطمة عليها السلام تطحَنُ وتعجِنُ وتخبِزُ"(7). وقال الراوي: أنَّه لمّا كان [أمير المؤمنين عليه السلام] يَفْرُغُ من الجهاد يتفرَّغُ لتعليم الناس والقضاء بينهم، فإذا يفرُغُ من ذلك اشتغلَ في حائطٍ له يعملُ فيه بيديه وهو مع ذلك ذاكرٌ لله جلَّ جلاله(8).

روى الحسن بن عليّ بن أبي حمزة عن أبيه أنّه قال: "رأيت أبا الحسن عليه السلام [الإمام موسى الكاظم] يعملُ في أرضٍ له وقد استنقعت قدماه في العَرَق، فقلت له: جُعلت فداك! أين الرجال؟ فقال: يا عليُّ! عَمِلَ باليد من هو خيرٌ منِّي ومن أبي في أرضه، فقلت له: من هو؟ فقال: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين وآبائي عليهم السلام كلُّهم قد عملوا بأيديهم، وهو من عمل النبيِّين والمرسلين والصالحين"(9).

وقال أبو عمرو الشيباني: رأيت أبا عبد الله عليه السلام وبيده مِسْحاةٌ وعليه إزارٌ غليظٌ يعمل في حائطٍ له والعَرَق يتصابُّ عن ظهره، فقلت: جُعلت فداك! أعطني أكْفِكَ. فقال لي: "إنِّي أحبُّ أن يتأذَّى الرجل بحرِّ الشمس في طلب المعيشة"(10).

* الاحتراز من الكسل وقصور الهمّة
قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: "إن يكن الشغل مَجْهَدَةً فاتِّصالُ الفراغ مَفْسَدَة"(11). وقال الإمام الباقر عليه السلام: "الكسلُ يضرُّ بالدين والدنيا"(12). وقال الإمام الصادق عليه السلام لبعض أبنائه: "إيَّاك والكسل والضجر، فإنَهما يمنعانك من حظِّك من الدنيا والآخرة(13)، وقال عليه السلام أيضاً: "ولا تكن واهناً يُحقِّرك من عَرَفك"(14).
وعنه عليه السلام أيضاً: "ولا تكونوا كُلُولاً على الناس"(15). وعنه عليه السلام أيضاً: "أبغَضُ الخَلْقِ إلى الله جِيفةٌ بالليل بطَّالٌ بالنهار"(16). وقال الإمام موسى الكاظم عليه السلام: "إنَّ الله جلَّ وعزَّ يُبغِضُ العبدَ النَّوَّام الفارغ"(17).

وروى ابن عبّاس: "كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا نظرَ إلى الرجل فأعجبه قال: لَهُ حِرْفةٌ؟ فإنْ قالوا: لا، قال: سقط من عيني. قيل: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: لأنَّ المؤمن إذا لم يكن له حِرْفَةٌ يعيشُ بدينِهِ [يعتاش على دينه]"(18).

* البكور في العمل
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "... البُكُورُ مباركٌ يزيدُ في جميع النِّعَمِ، خصوصاً في الرزق..."(19). وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "باكِرُوا بالحوائجِ، فإنَّها مُيسَّرةٌ..."(20). وقال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: "ألا أُنبِّئُكُم بعد ذلك بما يزيد في الرزق... البُكور في طلب الرزق يزيدُ في الرزق..." (21).

قال الإمام الصادق عليه السلام: "فعليكم بالجدِّ والاجتهاد، وإذا صلَّيتُمُ الصبح وانصرفتم فبكِّروا في طلب الرزق واطلبوا الحلال، فإنَّ الله عزّ وجلّ سيرزقكم ويُعينُكم عليه"(22). وكذلك قال عليه السلام: "كان عليّ بن الحسين عليه السلام إذا أصبح خَرَجَ غادياً في طلب الرزق، فقيل له: يا بنَ رسول الله! أين تذهبُ؟ فقال: أتصدَّقُ لعِيالي. قيل له: أتتصدَّقُ؟ قال: مَنْ طلب الحلال فهو من الله عزّ وجلّ صدقةٌ عليه"(23).

إنّها توجيهات واضحة من العترة الطاهرة عليهم السلام في العمل والكسب، حتّى يكون المال الذي نكسبه حلالاً طيّباً مباركاً من عند الله تعالى.


(*) مقتطف من كتاب مفاتيح الحياة، ص81-87.
(1) العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 74، ص 27
(2) المغربي، دعائم الإسلام، ج 2، ص 15.
(3) الشيخ الكليني، الكافي، ج 5، ص 127.
(4) الهندي، كنز العمال، ج 4، ص 8.
(5) المحروم الذي يطلب فلا يُرزق.
(6) الشيخ الكليني، مصدر سابق، ج 5، ص 76-77.
(7) المصدر نفسه، ج 5، ص 74.
(8) الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج 13، ص 25.
(9) الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج3، ص162.
(10) الشيخ الكليني، مصدر سابق، ج 5 ص 76.
(11) الشيخ المفيد، الإرشاد، ج 1، ص 298.
(12) الحراني، تحف العقول، ص 300.
(13) الشيخ الكليني، مصدر سابق، ج 5، ص 85.
(14) الحراني، مصدر سابق، ص 304.
(15) الشيخ الكليني، مصدر سابق، ج 5، ص 72.
(16) العلّامة المجلسي، مصدر سابق، ج 84، ص 158.
(17) الشيخ الكليني، مصدر سابق، ج 5، ص 84.
(18) الميرزا النوري، مصدر سابق، ج 13، ص 11.
(19) العلّامة المجلسي، مصدر سابق، ج73، ص318.
(20) الشيخ الصدوق، الخصال، ص 394.
(21) الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، ج 15، ص 348.
(22) الشيخ الكليني، مصدر سابق، ج 5، ص 79.
(23) المصدر نفسه، ج 4، ص 12.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع