مناسبة | من رُزق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حُبّها أذكار | شهر رمضان المبارك آخر الكلام | الأوراق المغلّفة الافتتاحية | ما أفضل أعمال شهر رمضان؟ القرآنُ مشروع حياة القرآن يربّي أبناءنا -سورة النور نموذجاً- القرآن يرشدُ عقولنا القرآن يهذّب سلوكنا القرآن يُعلمنا التوحيد مع الخامنئي | كنوز البعثة النبويّة*

شهيد الوعد الصادق أحمد الشيخ علي (أبو مهدي)

نسرين إدريس قازان


اسم الأمّ: زينب إسماعيل.
محلّ الولادة وتاريخها: الخيام 25/11/1971م.
الوضع الاجتماعيّ: متأهّل وله 3 أولاد.
محلّ الاستشهاد وتاريخه: الخيام 8/8/2006م.

غيابه لساعتين أثار قلقهم، في وقتٍ كانت فيه بلدة الخيام تتعرّض لأعنف قصفٍ موجّه منذ بداية الحرب، فصوت القذائف لم يهدأ منذ أيّام، وهدير طائرات الاستطلاع والحربيّ لم يخفت ولو لدقائق، فأين كان؟ لن يعرف أحد، لأنّه لمّا خرج من بين الغبار الكثيف، وسألوه بعتابٍ عن مكانه، ابتسم ابتسامته المعهودة، وأحنى رأسه كعادته، مجيباً أنّه إن بقي من الأحياء فسيخبرهم أين كان، أمّا إذا استشهد فسيبقى سرّه معه.

* كوابيس الاحتلال
أحمد، الشابُّ الخفيف الظلّ، المبادر لإلقاء السلام والاطمئنان على الجيران والأقارب، شخص يعيش حياة مسالمة، يعمل بكدّ لتأمين لقمة عيشه في بلدة تقبع تحت الاحتلال الإسرائيليّ وعملائه منذ سنوات طويلة، تلك البلدة التي تحوّلت معلماً لأحد أشهر المعتقلات الإسرائيليّة في الجنوب.

هو الابن الثالث لعائلة من عشرة أفراد. ولد في بيروت، ونشأ فيها إلى أن اجتاح العدوّ الإسرائيليّ لبنان واحتلّ العاصمة بيروت، فرجع بهم والدهم إلى قريتهم الخيام ليستقرّوا فيها. كان أحمد وقتذاك يتابع دراسته باجتهادٍ بَيّن طموحه العلميّ وإصراره على تحقيقه، ولكنّ الحياة في ظلّ الاحتلال وعدم استقرار الوضع الأمنيّ، حالا بينه وبين طموحه، خصوصاً وأنّه إبّان الاحتلال الإسرائيليّ، كان أيّ فتى يبلغ من العمر خمسة عشر عاماً ويعيش في الشريط المحتلّ؛ يصبح هدفاً لعملاء العدوّ، ويصعب انتقاله إلى بيروت وحصوله على تصاريح خروج ودخول عبر الحواجز الإسرائيليّة. بالإضافة إلى عامل مهم آخر غيّر من حياة الكثيرين، وهو معتقل الخيام، الذي تحوّل بعد العام 1985م إلى أكثر المعتقلات شهرةً في التنكيل والتعذيب، فصار كابوساً يلاحق الناس كيفما اتّجهوا.

* اختبار التحمّل
بين بيوت خالية من سكّانها بسبب تهجيرهم إلى بيروت، وأخرى ثبتت رغم القهر، إلى عائلات غادر شبابها بيوتهم هرباً من التجنيد، وآباء وأمّهات يأتون إلى المعتقل لزيارة أولادهم، فيذوقون مختلف أنواع المعاناة من السجّانين، في ظلّ كلّ هذه الأجواء كبر أحمد، ولفتت شخصيّته الأنظار إليه، فهو في البيت الصبيّ المساعد لوالديه، الذي يعاون أمّه في ترتيب المنزل، وبين رفاقه الفتى المهذّب الذي لا يتدخّل في شؤون أحد، والتلميذ المجتهد الراغب في تحقيق حلمه، ذلك الحلم الذي كان يتبدّد بسبب مجريات الأحداث من حوله.

في أحد الأيّام، وبينما كان أحمد يلعب مع رفاقه بالقرب من البيت، هبّ هواء قويّ أزاح سطحاً حديديّاً فطار ووقع على قدمه، فصرخ بصوت عالٍ لأمّه التي هرعت إليه وأخذته بين ذراعيها، ومنعته من رؤية ما حلّ به. وأثناء انتقالهما بالسيّارة إلى المستشفى، كان يتألّم بين يديها، ويسألها عن حال قدمه، فتهدّئ من روعه وخوفه، وحافظت على رباطة جأشها وهي تلفّ قدمه كي لا يرى عمق الجرح المصاب به.

ولكنّ إصابته تلك كانت ظرفاً مساعداً له كي يعتاد على تحمّل الأوجاع القويّة التي كانت تنتابه بين الحين والآخر. وعلى الرغم من أنّ ذلك الجرح ترك ندبةً في قدمه، إلّا أنّه غرس فيه قوّة كبيرة على التحمّل.

* معتقل التعذيب
تحت أنظار العملاء اللحديّين، كبر أحمد، فلفتهم بتديّنه وتهذيبه، وكان مظهره يشي بأنّه يعمل لصالح المقاومة، ما زاد من مراقبته وملاحقته والتضييق عليه.

كان والداه في حالة خوف دائم عليه، وخصوصاً بعد أن صار التحقيق معه ثابتاً بين الحين والآخر. عمل أحمد مع والده وإخوته في مجال البناء. وعندما تزوّج وكانت زوجته على وشك الولادة، تحوّل التحقيق الروتينيّ معه إلى اعتقال.

كغيره من المعتقلين في الخيام، تعرّض أحمد إلى أنواع التعذيب والضغط كافّة للاعتراف بعمله مع المقاومة، ولكن السياط والتعذيب بالكهرباء والتعليق على العمود لليالٍ متتالية، لم تغيّر شيئاً من أقواله. وفي أحد الأيّام، وأثناء وجوده في الغرفة الضيّقة المتعفّنة، فتح عميل الباب واقتاده إلى غرفة الزيارة، حيث وجد أمّه في الجهة المقابلة خلف نافذة تحملُ طفلاً صغيراً في القماط، فاغرورقت عيناه بالدموع وهو يقترب من النافذة وأمّه تبتسم له وتقرّب طفله منه عساه يستطيع أن يطبع قبلة على خدّه، ذاك الطفل هو ابنه الذي كان قد مرّ خمسة عشر يوماً على ولادته ولم يكن قد رآه بعد.

* يوم الاندحار التاريخيّ
سنة وثمانية أشهر هي المدّة التي قضاها أحمد في معتقل الخيام، وقد خرج منه بصلابة أقوى وعزيمة أشدّ، لم يستطع أحد خلالها انتزاع أيّ اعتراف منه عن علاقته بالمقاومة، فهو أحاط عمله بسرّيّة تامّة حتّى عن أهله.

في أيّار من العام 2000م، أجبرت المقاومة الإسلاميّة وأهلها الصامدون العدوّ الإسرائيليّ على الانسحاب، فهرب العملاء بسرعة من بين الناس الوافدة إلى المعتقل لتحرير الأسرى. كانت تلك اللحظات هي الأشدّ فرحاً على قلب أحمد، الذي تنفّس فيها الصعداء وشكر الله على النصر العظيم؛ فالظلم الذي لحق بالمعتقلين، ودماء الشهداء، وجراح الجرحى قد أثمرت نصراً لمسه بيديه.

لم تسعه الفرحة وهو يرى من هُجّر من البلدة يعود إليها بعد سنوات قهر طويلة، ومنهم أقاربه، وسرعان ما بدأ أحمد مرحلة جديدة في حياته الجهاديّة.

* رجال الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف
بين الحين والآخر كان أحمد يغيب عن البيت بحجّة العمل، ولكنّه عمل من نوع آخر، أهّله للمشاركة في العمليّات الجهاديّة التي استهدفت مزارع شبعا، كما شارك في عمليّة الغجر في العام 2005م. ومع بدء حرب تمّوز 2006م التحق مباشرة بمركز عمله في القرية، وصار يزور أهله وعائلته كلّما سنحت له الفرصة، إلى أن اشتدّ وطيس الحرب، وصار لا بدّ من خروجهم من البلدة، ولكن أمّه رفضت المغادرة قائلة إنّها ستبقى لطهو الطعام للمجاهدين، فأخبرها أنّ بقاءها سيكون عبئاً عليهم، لأنّ الأمور تتدهور بسرعة. وعندما سألته إن كان العدوّ سيحتلّ لبنان مرّةً أخرى، ابتسم لها قائلاً: "هؤلاء رجال الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، ولن يسمحوا للعدوّ حتّى بالاقتراب".

* قصف أعمى
طوال فترة الحرب، كان أحمد يتنقّل من مكان إلى آخر، وفي جيبه ورقة سجّل عليها أسماء كلّ المواد الغذائيّة التي اضطرّ إلى سحبها من المحال التجاريّة ومن البيوت، حتّى يرجع ثمنها إلى أصحابها بعد انتهاء الحرب. ويوماً بعد آخر صعب التنقّل، إذ صارت بلدة الخيام مرمىً للقذائف والصواريخ، ولم يسلم المعتقل من الصواريخ الإسرائيليّة التي حوّلته إلى ركام.

* ورقة الأمانات
كان أحمد يتنقّل ومن بقي معه تحت الطائرات وبين القذائف، وقد خارت قواهم بسبب قلّة الزاد والماء، إلى أن استشهد على إثر غارة قبل انتهاء الحرب بسبعة أيّام، وفي جيبه ورقة الأمانات قد تلوّنت بدمه.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع