مع الخامنئي: الجهاد في حياة الإمام السجّاد عليه السلام (1) نور روح الله: المَلِكُ المعبود المستعان مع إمام زماننا: العدل في المدينــة المهدويّــة (*) أخلاقنا: الوسوسة العمليّة.. طاعة شيطانيّة(*) مجتمع: "سلام فرمانده" صرخة جيلٍ مهدويّ(1) مناسبة: ما زالت المُقاومة عزّنا: ومـحمّـد كَبُـــر حكايا الشهداء: "ذَهَبُ خلّة وردة" (2) تقرير: شباب مجتمع المقاومة (الملتقى الشبابيّ الأوّل) قرآنيات: تفسير سورة الهُمزة (*) آخر الكلام: مُرابط الصحراء(*)

حزب الله .... ثقافة الانتماء، ومهام الاستنهاض‏

الشيخ شفيق جرادي‏


يلعب الواقع الذي ترتكز عليه الجماعات، دوراً هاماً في تحديد الأفق والمناخات المكوِّنة لثقافتها.
وعليه فإن الحديث عن ثقافة حزب الله يضعنا أمام مراعاة جدية للحالة الحزبية التي يعيشها هذا الحزب من جهة، وأمام المبادئ‏ والأهداف والشعارات التي انتمى إليها والتي أطلقها؛ وهي مبادئ‏ وأهداف وشعارات ارتبطت من حيث المنشأ بخلفيات استبعدت عن روحيتها ووجهتها الإطار الحزبي...
الأمر الذي يطرح معه إشكاليتين بالحد الأدنى..


الإشكالية الأولى: كيف يمكن لنا أن نمارس في أدائنا العملي ما هو مخالف لمبادئنا وأهدافنا والشعارات؛ وصريح العتاب الإلهي في كتاب الله العزيز ينص (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (*) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ).
الإشكالية الثانية: تستند إلى أن واقع ومجريات تجارب سابقة كانت تشير إلى أن التفسخ والتناقض بين النظرية والممارسة يؤدي دوماً إلى تفسخ وتفكك في الكيان، وبالتالي إلى الوقوع في أسر حتمية التلاشي والوهن، بل والانعدام أمام أي عاصفة في أغلب الأحيان... ونحن بمراجعة سريعة للأصول والغايات التي ينتمي إليها حزب الله نلحظ أنها مبنية على أساس فهم خاص يقوم على كيانية الأمة، لا على كيانية الحزب، وهو أمر صرّح به قائد الأمة الإسلامية الإمام الخامنئي - حفظه المولى - إذا اعتبر أن حزب الله هو بالتيار الإيماني أشبه منه بالإطار الحزبي.
فهل هذا الكلام يوصِّف الواقع القائم لهذا الحزب أم أنه يخالف واقع الأمر؟
أمام هذه الإشكاليات نجد أنفسنا أمام تورط فعلي في تحديد العلاقة مع مضمون المصطلح.

لأن اصطلاح الحزب يفض بالعادة معنىً خاصاً لا ينسجم مع الأمة، بل هو في الأغلب اختزال ضيق للمجتمع والأمة، أما فيما يتعلق بحزب الله، فنحن أمام اصطلاح يأخذ معناه من مصدر مختلف عن التجربة الحزبية المتولدة ضمن المناخات الغربية الحديثة.
إذ يأتي هذا المصطلح بمعناه من مصدر النص القرآني الذي عبرت عنه الآيات القرآنية، والتي أنشأت فرزاً كيانياً بين اتجاهين عقيديين وسياسيين.
أولهما: حزب الله المعتقد والممارس لمبدأ الولاية لله ورسوله والذين آمنوا، والذين يعملون على تحقيق الغلبة، (فإن حزب الله هم الغالبون) وتحقيق الفلاح (ألا إن حزب الله هم المفلحون)... في كدحهم بمشروعهم الإلهي نحو الله سبحانه.

ثانيهما: حزب الشيطان والذي يوسم تارة بالكفر وأخرى بالنفاق والذي يتجلى ولاؤه للشيطان كما الطاغوت وولاة الجور والظلم...
وبالتالي فإن وحدة التسمية لا تساوي بالضرورة وحدة المضمون، هذا من جهة، أما من جهة التحرك الحزبي والتنظيمي فإن الذي ينبغي التأكيد عليه أن التنظيم العملاني لحركة الجماعة لا يساوي الإطار الحزبي، إذ كل مؤسسة تحمل أهدافاً تحتاج في تحقيق أهدافها إلى حال من

التنظيم بدءاً من الدول إلى المراكز الدولية إلى الأحزاب إلى الجمعيات والمؤسسات وغير ذلك، فالمسألة ليست محصورة بالحزب..
فضلاً عن أن نظم الأمر مطلب أكدت عليه الروايات باعتباره حاجة إنسانية ضرورية "الله الله في نظم أمركم" للحفاظ على الكيان والهوية والمعتقد والأهداف.
وإن أي خروج عن دائرة الكيان - الأمة، والأهداف والهوية والمعتقد الإسلامي، هو خروج عن جادة حزب الله (بالمعنى القرآني) إلى حزب الشيطان (الذي أفرزته اليوم منظومة الثقافة الغربية) والذي أخطر ما فيه اختزال كل الكيان والمبادئ‏ والشعارات إلى سلطة الحزب الضيقة وهي عصبية الجاهلية الجهلاء التي حذَّر منها رسول الرحمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

نقول كل هذا، دون أن يعنى ما نقول أن حزب الله اليوم لا يتعرض لخطر التأطر الحزبي الضيق، بل أننا في الوقت الذي نخشى فيه من خطر الانزلاق في مثل هذا الفخ الجاهلي فإننا نعتبر أن المهمة الثقافية التاريخية الملقاة على كاهل حزب الله اليوم تقع في تأسيس نموذج حركي وطني وفاعل دون أن يلغي ذلك ارتباطه العميق بالأمة على مستوى الثقافة والانتماء والهوية، وهو ما تعد به الأطروحة الثقافية لولاية الفقيه الجامعة لكل الأمة تحت مظلة شرعية القيادة الواحدة، وهي المظلة التي يقف حزب الله تحت سقفها..

* حزب الله ثقافة حزبية أو ولائية؟
إلى الآن كان كل الكلام ينصب حول إمكانية التعرف على تجربة تنظيمية لا تقع بالضرورة في حبائل الأفق الحزبي الضيق، ويمكن لها الاستناد إلى مرجعية الانتماء للأمة وذلك بالارتباط بقيادة مرجع الأمة وولي قيادتها وإدارة شأنها.
لكن يبقى أن نتعرّف إلى ماهية الثقافة التي يمكن أن نتوفر عليها... من حيث الثوابت أو من حيث التكوينات والترسيمات الثقافية التي نتأسس عليها أو نؤسسها كمنضوين لهذه التجربة الإسلامية الرائدة...
إذ المتعارف أن الثقافة بمقدار استجابتها وتوالدها من المحيط الذي تتحرك فيه وتنتيم إليه، بمقدار ما تكون فاعلة ومعبرة وقادرة على التكامل والترقي المؤثرين.
إلاّ أن ذلك يقضي وبالضرورة أن تحمل هذه الثقافة أصولاً ومعاييراً توحيدية تحفظ المضمون ووحدة السياق من التيه وضياع الهوية. لذا كان التأكيد الواضح، إن حزب الله هو تيارٌ إيماني، بكل ما تحمل هذه الكلمة من مضامين تتسع لكل ثوابت المبدأ الإسلامي المتشعب عقيدة وسلوكاً وحركة وقيماً وقواعد أخلاقية.
ثم تأتي وبالدرجة الثانية العناوين المباشرة التي تتأسس من منطلق ثقافة الدور والمهمة...

وهنا من المفيد الإشارة أن تجربة الحركات الإسلامية تنقسم إلى وجهتين في هذا المضمار.. وجهة تؤمن بالتعددية الشاملة في ثقافة الدور والمهام الرسالية ، وهي التي تعتبر أن كل منطقة وبلد عليه أن يختزل كامل الوظيفة الملقاة على الأمة بدءاً من تحديد الولي المسؤول وصولاً إلى تعددية النظام السياسي والاجتماعي الذي يقوم على ثقافة التوزع الحاد بين القوميات والشعوب، وفي تقديرنا أن هذا النموذج هو الذي ساد طوال الفترة السابقة، وهو الذي استسهل الانغمار في التعدديات الحزبية وأسس ثقافة أهل مكة. بالمعنى القومي والوطني - أدرى بشعابها، وبالتالي فسح المجال للحركات الحزبية بالامتداد في عمق النشيج الثقافي والاجتماعي للأمة مما أودى إلى الفرقة والتشرذم... أما الوجهة الثانية فهي التي تعتبر أن كل الأمة من أقصى الأرض إلى أقصاها مسؤولة عن إنجاز التجربة الإسلامية، كل من موقعه وبحسب الخصوصيات والتنوعات التي يعايشها، وبما أن الإسلام يتسع لكل ميادين الحياة وأحوالها، تأتي التجربة لتطلق الخصوصيات بإيجابية فريدة في الحركة والممارسة وبنسيج توحيدي يقوم على ثقافة وحدة المبدأ والولي فالأمة...

وهنا نغتنم الفرصة لنقول أن ما يبثه حزب الله من ثقافة الشهادة والجهاد القتالي لعدو الله والرسالة والأمة، لا يرد عليه أنه اختزال لكل ثقافة الإسلام، أو ثقافة الجهاد بمعناه الواسع، بل هو خروج عن ضيق الأفق واختزال ال "نحن" ب "الأنا"، أنه تحديد التموضع في الدور والامتداد المتلاقي مع كل دور لتشكيل سيل النهوض الرسالي ضمن وحدة التجربة الإسلامية بقيادة واحدة لأمة واحدة.

إنها علاقة العضو بالجسم، بدل تحويل العضو ليكون كل الجسم فيلغي بقية الأعضاء، أو يكرر دورهم دونما طائل، "مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى".
ونختم بالإشارة أن العلاقة بين ثوابت الثقافة ومتغيراتها هي علاقة طولية، يستحيل فيها أن تبقى على هويتها إن قدمنا المتغير على الثابت، لذا لا يصح أن نفهم الولاية أو ولاية الفقيه بأفق حزبي وإلا أعدمنا الولاية من كل معناها.
بل أن الحزبية تأخذ معناها وحركتها من ثوابت الفهم المبدئي للولاية وولاية الفقيه.

فحزب الله عضو فردٌ في حركة أمة يقودها أمام الأمة ومنه تأخذ المشروعية والمعنى وله الانتماء في ثقافة الانتماء.


 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع