منذ احتضنت أرض عاملة، فتوة المسيح، عيسى بن مريم(ع) واستقبلت صاحب رسول الله(ص) أبا ذر الغفاري(رضوان الله عليه) وهي تفيض بسخاءٍ، جيلاً بعد جيل. فكانت دوحة العلم والبطولة معاً... ومنها شعّت أنوار الهداية على يد الشهيد الأول والشهيد الثاني، وفيها تحطمت أساطير المعتدين ولا تزال...
وفي بدايات القرن الماضي، في شباط عام 1909، نهض أحد فرسان القلم، الشيخ أحمد عارف الزين، من بوابة الجنوب صيدا، وأسس مجلة العرفان، التي عُرفت به وعرف بها، على مدى قرن من الزمن.
وعرفاناً وتقديراً لذلك الجهد الذي عمّه الله سبحانه بالبركة، أقامت جمعية آل البيت الخيرية، وبرعاية نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الشيخ عبد الأمير قبلان، المهرجان التكريمي في الذكرى المئوية لتأسيس مجلة العرفان. وذلك في قاعة العلامة السيد عبد الحسين شرف الدين{، في مجمع الإمام الصادق الثقافي.
توالى على الكلام نخبة من المثقفين المهتمين، فكانت الكلمة الأولى للحاج حامد الخفاف، رئيس جمعية آل البيت الخيرية.
ثم تحدث الأستاذ غسان مطر باسم اتحاد الكتاب اللبنانيين، فعبّر بكلمة شاعرية عن المناسبة، وربط بين معجزة القلم للرواد الأوائل، ومعجزة المقاومة في هذا العصر.
ثم تكلم باسم الجامعة اللبنانية الدكتور زهير شكر، مطالبا بالمزيد من التكريم للشيخ عارف الزين وأمثاله من رجال الوطن والأمّة.
فكانت كلمة الدكتور محمد المجذوب، باعتباره من أبناء صيدا، فتحدث عن أثر المجلة في المجتمع الصيداوي، والأجواء الفكرية التي خلقتها.
تكلم بعده الأستاذ بلال شرارة، باسم الحركة الثقافية في لبنان، فنوه بمزايا الشيخ وطالب بمزيد من الاهتمام برجالات النهضة الفكرية الذين ساهموا في نهضة الوطن.
الشيخ أكرم بركات، تحدث باسم جمعية المعارف الإسلامية، حيث قدم مقاربة بالأرقام، حيث وجد أن صفحات المجلة، منذ عام 1909 حتى عام 1960، قاربت الخمسين ألفاً، وكتابها المرموقين في العالم العربي والإسلامي والمهجر، تجاوز الألفين، وعناوين أبحاثها الغنية المتنوعة بين الاجتماع والدين والطب والسياسة والتربية والتاريخ والأدب والفنون، تعدّت عشرة آلاف عنوان. ورغم كل هذا، كان الشيخ «مديوناً لأجل الإنفاق على أسرته، بل على المجلة نفسها».
ثم شرح البيئة الثقافية للمجلة، والدور الذي لعبته المجلة في تلك البيئة، وينقل كلام الدكتور حسين مروة: «كانت أمي تسمي كل كتاب عرفاناً وكل جملة كتب عرفانات». ثم تناول البيئة السياسية التي عايشتها المجلة، من الحكم العثماني، إلى الانتداب الفرنسي، إلى الاستقلال، مروراً بالنكبة واحتلال فلسطين. وقد عايش الشيخ كبار المناضلين، وواجه الاحتلال الفرنسي، وحارب التقسيم الذي فرضه الانتداب، وترأس لجنة الدفاع عن فلسطين التي ضمت معروف سعد ومحي الدين البزري.
وحول نكبة فلسطين أطلق صرخة للأمّة قائلاً: «أما يجدر بنا أن ننادي بملء فمنا، صارخين معولين، واعروبتاه، وبعد ذلك نقول: وافلسطيناه، واقدساه، وامسجداه، واقيامتاه، وا بيت لحماه، واناصرتاه، وابئر سبعاه».
ثم تكلّم الدكتور انطوان سيف عن الحركة الثقافية في انطلياس. فعرض تاريخ لبنان الثقافي منذ مائة وخمسين سنة، ودور الشيخ عارف ومجلة العرفان فيه.
تكلم بعده الدكتور إبراهيم بيضون باعتباره من كتاب مجلة العرفان، فعبّر عن مشاعره تجاه الشيخ والمجلة.
وأخيراً كلمة راعي الاحتفال، الشيخ عبد الأمير قبلان. حيث ركز على أهمية رجال الفكر في جبل عامل، وطالب بإلحاح الدولة اللبنانية ممثلة بوزارة الثقافة أن تعيد إصدار مجلة العرفان، عرفاناً لصاحب العرفان، كما طالب مكتب آية الله السيد السيستاني للمساهمة في إصدار المجلة لتتابع رسالتها الثقافية والفكرية.
* بطاقة شرف
أحمد عارف الزين، فارس عاملي آخر، عاصر الرعيل الأول، الذي شهد على ولادة الوطن، الإمام السيد عبد الحسين شرف الدين، والشيخ سليمان ضاهر، والمناضلَين صادق حمزة، وأدهم خنجر، وكان سلاحه الفكر والقلم.
ولد في بلدة شحور في جبل عامل عام 1884م، وتلقى معارفه الأولى في كتاتيب قريته، ثم انتقل مع عائلته ليعيش في مدينة صيدا، فدرس في مدرسة الرشيدية الرسمية، ثم التحق بمدرسة النبطية الابتدائية، ثم انتقل إلى مدرسة الحميدية الدينية، وقد أتقن اللغتين التركية والفارسية، إلى جانب الانكليزية والفرنسية.
عمل في مجال الصحافة، فراسل وكتب في العديد من المجلات والصحف، المصرية والبيروتية، منها صحيفة «ثمرات الفنون» لليازجي، و«الاتحاد العثماني» و«حديقة الأخبار».
وفي عام 1909م، أصدر مجلة «العرفان» في بيروت، وفي عام 1912م نقلها إلى صيدا، لتصبح طوال أكثر من نصف قرن أحد معالمها الثقافية، وكان قد اصدر في سنة 1911م، جريدة «جبل عامل».
عمل في بداية حياته في التجارة، غير أنه مني بخسارة فادحة، كما عمل في مجال الزراعة، مشرفاً على مزرعة زوجته، ثم انتقل إلى العمل نهائياً في مجال الصحافة. وفي عام 1910م، أسس مطبعة العرفان، لتكون من أهم معالم النهضة في جبل عامل.
شارك في عدد من الجمعيات السرية، مثل «جمعية العهد»، و»جمعية الإصلاح» و«جمعية الشبيبة العربية» وكان مندوباً لـ«جمعية الثورة العربية» في نواحي مدينة صيدا، ورأس لجنة الدفاع عن فلسطين.
واجه سياسة التتريك، وحُكم عليه بالسجن عدّة مرات في عهد السلطة العثمانية، وفي عام 1925م اعتقل بتهمة مناصرة الثورة السورية، كما تم اعتقاله عدة مرات بسبب مناهضته للانتداب الفرنسي. ورغم أن حكومة الاستقلال ضيّقت عليه، وكانت تمنع الورق عن مجلته، إلا أنه كان يقول: على كل حال الاستقلال خير من الانتداب.
وفي عام 1960م، وأثناء قيامه بزيارة المرقد المطهر للإمام الرضا(ع) في مشهد، ترجل الفارس العاملي، وانتقل إلى رحمة ربه، فدفن في مشهد إلى جوار مقام الإمام(ع).
وقد تركت مجلة العرفان أثراً ثقافياً بالغاً، وملأت الساحة الفكرية في لبنان وسائر البلدان العربية على مدى قرن من الزمن.
*****
المراجع:
- رغداء النحاس، أحمد عارف الزين: «الشيخ الحداثي من جبل عامل»، «النهار» في 26 و27 كانون الثاني 2009.
- طريف الخالدي، «مجلة العرفان» ومؤسسها في الدائرتين الصغرى والكبرى، النهار، في 8 و9 شباط، 2009.